على خلاف فرنسا، تحظى فكرة «الديموقراطية الاقتصادية» في ألمانيا بتراث مديد وقديم. وأثمرت هذه الفكرة في فرنسا قوانين (الوزير) أورو التي تعود إلى 1982. وهي آخر إصلاحات تناولت حقوق العمال وسعت في إرسائها على المواطنة في المنشأة أو الشركة....

المنشأة الاقتصادية ليست دولة... وشروط ديموقراطيتها سياسية

ألان_سوبيو |

على خلاف فرنسا، تحظى فكرة «الديموقراطية الاقتصادية» في ألمانيا بتراث مديد وقديم. وأثمرت هذه الفكرة في فرنسا قوانين (الوزير) أورو التي تعود إلى 1982. وهي آخر إصلاحات تناولت حقوق العمال وسعت في إرسائها على المواطنة في المنشأة أو الشركة. ومذ ذاك، يدور الكلام على سوق العمل، وليس على قانون العمل. ويحسب الاقتصاديون أن مفتاح العمالة الكاملة هو تقليبهم قانون العمل على وجوهه، وإعمالهم فيه التقطيع والتركيب والخياطة. أما البعد الحقوقي والقانوني فأهمل ووضع جانباً. ولا يحول الإهمال دون إلحاح مسألة الديموقراطية الاقتصادية. فهي وحدها حريّة بإقامة رابطة بين من يتولون إدارة الشركات وبين الوقائع الاجتماعية والاقتصادية. ولكن هل يصح حمل المنشأة على كيان سياسي وسوسها على نهج ديموقراطي، بينما تساس الدولة في الأثناء على نحو إدارة المنشأة الاقتصادية؟

والإجابة عن السؤال ليست من باب البداهة. ولا شك في أن الدولة والمنشأة تشتركان في بعض السمات. وأبرز السمات المشتركة هي أن كلاهما شخصية معنوية أو اعتبارية في نظر التشريع. وعلى هذا، فهما تتمتعان بإرادة خاصة، من جهة، ولا تسري عليهما أحكام الزوال التي تسري على البشر الفانين، من جهة أخرى. ولا يستوي الكلام على ديموقراطية اقتصادية ما اختُصرت الغاية الاجتماعية التي تسعى المنشأة الاقتصادية في بلوغها في زيادة ثروة مديريها والمساهمين في رأسمالها. واختصار الغاية الاجتماعية في هذا الأمر يجعل من سلطة الإدارة نظام سيطرة خالصاً، ويحول دون مقارنتها بدولة قانون وحق. وتوحيد المنشأة بغاية اجتماعية تختلف عن مصلحة من يديرونها ويشرفون عليها، يتوارى اليوم تدريجاً، ويغلب غلبة غير منازعة ما يسمى الاستحواذ المالي على الاقتصاد، أي تنصيب المال غاية وليس وسيلة. واقتراح بعض البرلمانيين (الفرنسيين)، في 2017، النص على معيار مصلحة المنشأة في عقد العمل قرينة على إدراك مكانة الغاية الاجتماعية وملازمتها كيان المنشأة.

ومعالجة وظائف المنشأة الاقتصادية وعلاقاتها الاجتماعية على مثال معالجة دائرة السياسة، لا تجوز إلا على سبيل المجاز والاستعارة. وبعض كبار فقهاء القانون، من أمثال بوب دوران (Durand)، مؤسس مجلة «الحق الاجتماعي» وصاحب أول كتاب جامع في قانون (حق) العمل بفرنسا، نقلوا إلى المنشأة مفهومات استعاروها من الحق الدستوري، ورأوا أن نظير السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، ثمة في المنشأة سلطة الإدارة، والسلطة التنظيمية وسلطة الضبط التي يملكها صاحب العمل. وهذه الآراء حملت على تأطير السلطات هذه، وسن قانون أورو في ضوئها، وأقر رمزياً في 4 آب (أغسطس) 1982 (عطفاً على إلغاء الجمعية العمومية الفرنسية امتيازات الإقطاع في 4 آب 1789).

والسمة المشتركة لا تتخفف من دور الفروق. والفرق الأول هو أن الدائرة السياسية تعالج «كل» وجوه الحياة العامة، ووجوه حياة الأشخاص من مولدهم إلى مماتهم، وعالمهم والإقليم الذي تضرب فيه هذه الحياة بجذورها، والقيم التي لا تقدر حرفياً بثمن. والمنشأة، في المقابل، تختص بوظيفة واحدة هي إنتاج بعض السلع أو تقديم بعض الخدمات. والنظام السياسي الذي يضطلع بوظيفة واحدة لا يعمل ولا يدوم. ولعنة الاتحاد الأوروبي صدوره عن أصل أو مبدأ اقتصادي صرف، واتخاذه الاقتصاد ركناً.

والفرق الثاني تولي الدولة تجسيد اتصال شعب واحد في خلال تعاقب الأجيال. والتمهيد الذي يتصدر دستور 1946 (الفرنسي)، يذكر «الشعب الفرنسي» العالمَ بما سبق أن قاله في 1789، و «يعلن من جديد أن كل إنسان، من غير تمييز عرق أو دين أو معتقد، يملك حقوقاً لا يجوز التصرف بها ومقدسة». وليس ثمة في المنشأة نظير يكافئ هذا الشعب المزمن. فهي عمل يسعى في غاية اقتصادية. و «طاقم» العاملين فيها ليس شعباً لأن المنشأة قد تزول، والعامل فيها قد يصرف من العمل في أي وقت. فهو («الطاقم») «فريق» يعمل. وهذا الفريق نهب للتشقق جراء تصدع رتبة المأجورين (العاملين لقاء أجر)، وتنظيم المنشأة على مثال أرخبيل أشخاص معنويين متفرقين.

ولكن الفريق هذا ليس مجموعة من أفراد لأن المنشأة تقضي بالتشارك، وبتكاتف جماعة حول غاية واحدة يؤهلها لأداء وظيفتها. فكيف يتشارك العاملون تصوراً واحداً يجمعهم؟ حسِب تايلور (المهندس المشرف على تنظيم العمل في مصانع فورد للسيارات في الثلث الأول من القرن العشرين) أن جعل العامل أداة آلية هو حل المسألة. وهذا الحل أفضى إلى طرق مسدودة ترتب على منطق نزع الإنسانية عن البشر العاملين.

ويلاحظ المؤرخ أن مسألة الديموقراطية الاقتصادية طرحت في الوقت الذي طرحت فيه مسألة الديموقراطية السياسية. وكان اليونان، وهم مبتكرو النظام الديموقراطي، يعتقدون أن شرط دوام مثل هذا النظام هو تقسيم عمل يتيح للمواطنين كلهم التمتع بالعيش أحراراً. وكان شاغل إصلاحات صولون، وهو أول المشرعين، إرساء المواطنة الأثينية على العمل المستقل. ولا يترتب على ملازمة البعد الاقتصادي الديموقراطية السياسية اختصار هذه في هذا البعد. وحمل الأمم على منشآت كبيرة، على نحو ما صنعت الشيوعية الفعلية أو المتحققة وتجدد التأكيد اليوم المذهبية النيوليبرالية، يقود حتماً إلى انهيار الديموقراطية في صيغتيها، السياسية والاقتصادية.

والرابطة العضوية بين صيغتي الديموقراطية برزت في عصر النهضة الوسيطة. وتوسلت الأديرة بالاقتراع إلى اختيار المراتب الكهنوتية وإلى حسم بعض المنازعات، وحذت بعض المدن التجارية حذوها. ويغفل المؤرخون عموماً دور أهل العصر الوسيط في ابتكار التقنيات الانتخابية التي لا تزال سائدة إلى اليوم. ونصب هؤلاء الأهل اقتراع الأغلبية محل الإجماع، وساووا الثاني بالأول، وقضوا بلزوم التحاق القلة (الأقلية) بالكثرة (الأكثرية أو الأغلبية). وأقروا الأغلبية الموصوفة جواباً عن امتياز الحكماء و»الشيوخ». وهذا البعد النوعي لا يزال حاسماً في فهم ديموقراطية المنشآت. فيستحسن اعتبار الفروق بين المهارات والطاقات على قدر ما يستحسن احتساب تنوع الاختبارات المهنية والعملية. والأمران، الإجراءات الانتخابية والركن التعاقدي لتولي السلطات، هما ركنا الديموقراطية ومن ابتكار العصر الوسيط. ومدن العصر الوسيط الحرة، على منوال «البورغ» الألماني أو «شيتّا» الإيطالية، نشأت في سبيل بلوغ غاية اقتصادية.

والهزج بالديموقراطية في كل الأعراس جعل معناها غامضاً، ومفهومها ملتبساً. وأرى تقديم مارسيل ديتيين، دارس اليونانيات (في كتابة: «ماذا يعني التناول على الكلام؟»، 2003، دار سوي)، «جمعية الكلام» شكلاً وصفة للأفعال الديموقراطية، مثمرة. فجمعيات الكلام المتداول ليست وقفاً على «أجدادنا اليونانيين»، وهي شائعة في عدد من الحضارات، وعلى الأخص الأفريقية. ويتيح هذا الشكل تناول مسألة الديموقراطية من مصدرها، والإحاطة بإلزامات الحياة الرمزية الإنسية.

فعلى «الحيوانات اللاغية (الناطقة)»، أي البشر على قول إميل بانفينيست، الاشتراك في الرد إلى الأصول والمراجع، أي حمل المعنى غير المرئي على علامات مرئية. وعلى هذا، لا يسوغ رد المجتمع البشري إلى قطعان، ولا تناول الجماعات السياسية على «العيش معاً». فالمجتمع يقوم أولاً بمرجع مشترك، وبالصدوع بمنطق القول المتداول الذي يقدم تبادل الكلام على التراشق بالكلمات.

وتشترك الديموقراطية مع أشكال التنظيم السياسي الأخرى في الإقرار بضرورة مرجع يجمع عليه القوم ويحظر القتل، وتفترق عنها بطريقة إيجاب المحظورات. ففي تاريخ البشر المساكين الطويل فرض المحظورات عدد قليل من الناس على الكثرة الكثيرة، واستقوت القلة بالمعتقد والتقليد، وفي أحوال قليلة بالقوة وحدها. وولدت الديموقراطية من طريقة نادرة قضت بالتجمهر، والإقرار معــاً وعـــلى قدم المساواة الأمور المشتركة.

ولا يترتب على هذا تخفف النظم الديموقراطية من العلاقة العمودية (الأمرية)، على خلاف ظن يشيع اليوم. فاللحمة التي تلحم بين المشتركين في جمعيات الكلام هي الاحتكام إلى مرجع يقضي في الحق والعدل، ويبلغ هذا المرجع من طريق المطارحة المتناقضة. ويفترض الاحتكام تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، على قول مونتسكيو. فالديموقراطية لا تنفك من وجه اقتصادي، مصلحي وحسابي. وتنأى المصلحة العامة، والتداول في شأنها، بجمعية الكلام من المفاوضة التجارية وسعيها في سبيل الإثراء الشخصي.

وعمل الثوريون الفرنسيون والأميركيون على رعاية أركان الديموقراطية السياسية من طريق السعي في تضييق التفاوت بين أصحاب الملكيات، وتعظم عدد أصحاب الملكيات الصغيرة التي تكفي هؤلاء العوز، وتسد حاجاتهم من ثمرة عملهم. فالعاملون المستقلون بأدوات عملهم هم البوتقة التي لا بد منها لدوام نظام ديموقراطي. واختبار الحرية في العمل هو المدرسة التي تعد المواطنين لتولي حكم أنفسهم بأنفسهم. فلا يتماسك مثل هذا الحكم إلا بالحرية والمسؤولية واحترام الخير العام. ولم يفتقر هذا المثال إلى من ينتصر له، حتى عشية الحرب العالمية الثانية. فرفع لواءه في فرنسا برودون، وفي الولايات المتحدة فقيه القانون الكبير لويس برانديس (1856- 1941)، منظر «لعنة العظمة» التي رأى أنها تخنق الديموقراطية السياسية وتؤدي إلى التبديد والإخفاق الاقتصاديين. ودعا غاندي، في الهند، إلى ما يشبه هذه الأفكار. والحق أن إرساء الديموقراطية على الإنتاج المستقل أخفق إخفاقاً تاماً. فالشركات المساهمة جمعت القوة الهائلة إلى المسؤولية المحدودة، على خلاف ركني الديموقراطية (المساواة والمسؤولية).

 

 

* أستاذ كرسي «الدولة الاجتماعية والعولمة» في كوليج دي فرانس»، عن «إسبري» الفرنسية، 3/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات