تعد الدول الأعضاء في منطقة اليورو العدة لإنشاء صندوق نقد أوروبي. ولكن في فرنسا تترتب مشكلة على جانب حيوي من المشروع هذا: شرط مسبق لمنح بلد تعصف به أزمة أي قرض هو إلغاء شطر من ديونه. وأعلن برونو لومير، وزير الاقتصاد الفرنسي، معارضته هذه...

لإلغاء شطر من الديون العامة في دول اليورو

شارل_ويبلوز |

تعد الدول الأعضاء في منطقة اليورو العدة لإنشاء صندوق نقد أوروبي. ولكن في فرنسا تترتب مشكلة على جانب حيوي من المشروع هذا: شرط مسبق لمنح بلد تعصف به أزمة أي قرض هو إلغاء شطر من ديونه. وأعلن برونو لومير، وزير الاقتصاد الفرنسي، معارضته هذه الخطوة، على رغم أن المقترح معقول و «سليم». ورأى لومير أن إلغاء شطر من الديون هو «خط أحمر» (محظور) يعيد إلى الأذهان ذكريات مريرة.

وفي بدء الأزمة اليونانية في 2010، كان السؤال عن محو جزئي لدينها العام، من الأسئلة المتداولة. ونزلت يومها دول منطقة اليورو على ما اقترحه رئيس المصرف الأوروبي، جان– كلود تريشيه، واعتبرت إلغاء الديون، ولو جزئياً، «خطاً أحمر»، وهذا ما يقوله لومير اليوم. ورفض مثل هذه الخطوة هو ما أدى الى كارثة في اليونان، وتفشّي عدوى الأزمة إلى دول أوروبية أخرى، وتهديد تماسك منطقة اليورو. وحينها، كان إلغاء الدين اليوناني ليقوض البنوك الألمانية والفرنسية، في وقت كانت تنوء تحت آثار الأزمة المالية. وكانت الذريعة الرسمية لرفض إلغاء الديون اليونانية: الخوف من الانزلاق الى أزمة مصرفية جديدة. وهذا قد يكون في محله، ولكن ما تصدر الغايات والأولويات حينها هو حماية المصارف. وشطر كبير من المال العام الذي منح لليونان خُصص لتسديد ديون المصارف الخاصة. وصار على اليونانيين طوال جيلين أو ثلاثة تسديد القروض الأوروبية السخية التي أُجبروا على قبولها. وفي 2010، كان الدين العام اليوناني 130 في المئة من الناتج العام. وهذا رقم يعصى العقل والمنطق. ويعود شطر من اللائمة الى الحكومات اليونانية المتوالية التي أنفقت من غير حساب. ولكن لا يخفى ان القرض يقتضي طرفين: مُقرض ومَدين. والأول عليه ان يحتسب الخطر الذي يقدم عليه. فالقروض كلها خطرة. ومن أقرض اليونان في سنوات ما قبل 2010 إما اختار تجاهل المخاطر وإما حسِب ان أموال المكلفين، مسددي الضرائب، في دول منطقة اليورو اليونان «ستنقذه». والداعي الأول فكرة سيئة، والثاني يفتقر إلى الأخلاق. وأبرز دروس الأزمة اليونانية هو وجوب تفادي الانزلاق من جديد الى مثل هذه الحال. ويرمي اصلاح اتفاق الاستقرار والنمو الى تقييد الحكومات وإلزامها ضبط موازناتها. ولو كانت فرص الإصلاح ضئيلة، الغاية منه جوهرية.

ولا يقل أهمية عن الإصلاح ثني المقرضين الغافلين عن المخاطر أو الذين يفتقرون الى الأخلاق، عن منح ديون تخالف مصالحهم ومصالح المكلفين الأوروبيين. والسبل كثيرة الى ثنيهم، أولها هو سبيل التنظيم المصرفي: إلزام المصارف مد شبكة أمان تتناسب مع المخاطر التي تقدم عليها، فتضطر الى الاعتدال في المغامرة والخطر، على أمل أن يشتد عودها لجبه الأزمة أو الضربة المقبلة. ولكن الديون العامة تعتبر رسمياً من دون خطر أو خالية من المخاطر، فلا يترتب عليها التزام الحذر. وهذا حسبان من بنات الخيال. فديون إيطاليا والبرتغال العامة تزيد اليوم عن نحو 130 في المئة من ناتجهما المحلي، أي تفوق ما كانت عليه ديون اليونان في 2010. ولا ترغب أي حكومة في جبه هذه المشكلة، وتستسيغ تجاهلها. وثاني سبل ثني المقرضين عن ديون خطيرة هو توجيه رسالة لا لبس فيها إليهم: لا مساعدات عامة لدول منطقة اليورو المتعثرة. وهذه قاعدة مكرسة في معاهدة ماستريخت، ولكن لم تُلتزم حين أغدقت الديون على اليونان وغيرها من دول متعثرة بناء على بند مبهم في المعاهدة هذه. والمناقشات حول إنشاء صندوق نقد أوروبي- والغاية منه إنقاذ دولة في منطقة اليورو حين تدعو الحاجة- تظهر ان البند هذا من المعاهدة (لا مساعدات عامة لدول منطقة اليورو المتعثرة) مهمل وأن الحكومات لن تتبناه. والرسالة الموجهة الى البنوك كارثية ومهلكة، ومفادها هو: أيتها البنوك العزيزة، اغدقي القروض، ولا تجزعي، فالمكلفون لن يترددوا عن نجدتك وتسديد ديونك.

وثالث سبل تفادي كارثة على منوال اليونان هو ربط المساعدات بمحو جزئي للديون. وما يرفضه لومير يقضي بمساعدة جماعية لبلد يواجه أزمة وإلغاء شطر من ديونه العامة. وغالباً ما تكون المؤسسات المالية هي المقرضة. وإلغاء الديون جزئياً يحمي أموال المكلفين ويخفف عنهم الأعباء. ومثل هذا الإلغاء يقلص ديون البلد المتعثر حين خروجه من الأزمة، على خلاف حال اليونان اليوم حيث بلغ دينها العام 180 في المئة من ناتجها المحلي. ومثل هذه النسبة من الديون معناها واحد: لم تنته فصول الأزمة اليونانية بعد عقد من تقشف قاس.

وإذا أفلحت الحكومة الفرنسية في إجهاض اتفاق إنشاء صندوق نقد أوروبي، راوحت أوروبا مكانها. فالمكلفون الأوروبيون في بلدان الأزمة سيضطرون الى تحمل أعباء الدين العام، ونظيرهم في الدول المقرضة (سيضطرون) الى ضمان القروض لنجدة المصارف الخاصة. وحري بالملكفين في الدول كلها الاتحاد!

 

 

* أستاذ الاقتصاد الدولي في معهد الدراسات العليا الدولي والتنمية في جنيف، مدير مركز الدراسات النقدية والمصرفية الدولي، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 8/3/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات