لكل منا اسم أو أكثر. ولكل شيء أو فكرة أو مفهوم اسم أو أكثر كذلك. فالاسم أساس الهوية ووسيلة التعريف والتمايز والاختصاص. ولكل اسم دلالات عدة، تختلف باختلاف الزمان والمكان واللغة، وكذلك باختلاف المُسمِّي والمُسمَّى. اختلاف دلالات الأسماء...

سلطة الاسم والتسمية ودلالاتها

ناصر_الرباط |

لكل منا اسم أو أكثر. ولكل شيء أو فكرة أو مفهوم اسم أو أكثر كذلك. فالاسم أساس الهوية ووسيلة التعريف والتمايز والاختصاص. ولكل اسم دلالات عدة، تختلف باختلاف الزمان والمكان واللغة، وكذلك باختلاف المُسمِّي والمُسمَّى. اختلاف دلالات الأسماء ليس فقط دليل اختلافات جوهرية، مثل الزمان والمكان أو الطبيعة أو الكينونة، ولا دليل اختلافات ثقافية، كاللغة أو درجة التعليم، بل هو أيضاً، وربما أساساً، دليل اختلاف في علاقات القوة بين المُسمِّي والمُسمَّى. فكلنا عانى من أسماء أطلقت عليه ولم يخترها بنفسه ابتداءً من اسمنا الشخصي إلى الأسماء التي اضطررنا لحملها، مكرهين أحياناً، عندما كنا مرهونين لوظيفة معينة: كالتلميذ أو الخادم أو الأسير أو العبد أو السجين أو المجند، التي أتت أحياناً مشفوعة برقم ما كأسلوب لمحو الشخصية ودمجها في شخصية جمعية أوسع وأعلى. وهي كلها أساليب إثبات سلطة، تبدأ من سلطة الأبوين على الولد إلى سلطة الدولة على الفرد أو سلطة رب العمل أو الجيش أو النظام الاجتماعي. كلها تمتلك من قدرة التصرف ما يسمح لها بالتسمية ومنح حيز التعريف والسيطرة بالتالي، وإن كان ذلك رمزياً في بعض الأحيان.

ولكن هناك أنواعاً أعقد من سلطة الاسم أو التسمية. فهناك مثلاً السلطة المطلقة التي مثلتها، كنموذج، قدرة آدم على تسمية الأشياء كلها، وهي قدرة منحها الله له كأساس لاستخلافه في الأرض وكدرس للملائكة الذين شككوا بأحقية آدم، كما تنبئنا سورة البقرة في الآية 31، «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ». والصورة نفسها تظهر في سفر التكوين (2:19) «وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا».

هذه الفكرة، التي حيرت المفسرين، لا تعدو كونها إثباتاً لسلطة التسمية. فالمخلوقات التي كانت بلا تعريف، وبالتالي بلا وجود منفصل ومحسوس، أصبحت ذوات متميزة بعدما أعطاها آدم أسماءها، وأصبح لها بالتالي مواقع محددة ووظائف معينة في ملحمة الوجود الذي سيكون أبطالها سلالة آدم من البشر الذين استخلفوا في الأرض وما فيها، وفقاً على أقل تقدير لكتبهم المقدسة هم أنفسهم (بما أننا لا نعرف حقيقة رأي المخلوقات المسماة في الأسماء والمواقع التي أعطيت لها في خارطة البشر).

وهناك أيضاً أنواع مختلفة من السلطة التي تمنحها قدرة التسمية، يأتي على رأسها سلطة التملك. فمنح شيء ما اسماً هو عادة مقدمة لادعاء ملكيته وخصوصاً في المجالين التاريخي والجغرافي، ولكن أيضاً في المجال العلمي. فالقارات والدول بغالبيتها أخذت اسمها مما أضفاه عليها الإغريق أساساً، الذين أدركوا تماماً قوة التسمية، أو من الامبراطوريات الاستعمارية التي احتلتها وقسمتها ومنحتها اسمها وهويتها، اعتباطاً أحياناً وأحياناً مع احترام هوية سكانها الأصليين. وهكذا ما زلنا اليوم نستخدم أسماء آسيا وأفريقيا وأوروبا بلغاتنا المختلفة، وهي كلها أسماء إغريقية ادعتها أوروبا لنفسها، وأميركا، على اسم بحّار إيطالي كان سيطويه النسيان لولا أن قارة بأكملها ألحقت باسمه. أما أستراليا، أو أرض الجنوب باللاتينية، فاسمها يؤرخ ليس فقط لاكتشافها من قبل الأوروبيين ولكن أيضاً لاستخدامهم لغتهم المقدسة (سابقاً) كأساس لاسمها، كما هو الحال في كل أسماء الحيوانات والحشرات والنباتات العلمية والكثير من أسماء الأماكن التي أعطاها الأوروبيون أسماءها اللاتينية المدعوة بالعلمية بعد «اكتشافهم» إياها في عصر الأنوار. والأخير بدوره اكتسب اسمه من التطور المعرفي الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما كانت الثقافات الأخرى التي ستقع قريباً ضحية للاستعمار الأوروبي، في مرحلة «انحطاط»، كما تواضع المؤرخون الاستعماريون على تسميتها.

ونحن بحكم تقبلنا لأسماء الحقب التاريخية والمناطق الجغرافية، نتقبل كل ما يتعلق بهذه التسمية من دلالات معنوية وأساطير وادعاءات أحقية من جهة أو استهجان وترفع واحتقار من جهة أخرى. فـ «السود» بالعربية المعاصرة عبيد، حتى بعد إلغاء العبودية مع ما يحمله الاسم، الذي ما زال مستخدموه اليوم يدعون البراءة، من دلالات العجرفة والازدراء والتمييز العنصري (الذي ما زال العرب أكثر من غيرهم يمارسونه ويدّعون عكس ذلك). و»الأعراب» كذلك، اسم ازدراء واستهوان، أطلقه أهل المدن العربية على أهل البادية، ناسين أو متناسين أن الاسم الأصلي، العرب، كان قد أطلق عليهم أساساً من أهل حضارات متمدنة سابقة رأت في أجدادهم الرمزيين خطراً بسبب تنقلهم المستمر في البادية. وكذلك حال الأسماء التوراتية التي يصر الإسرائيليون على إطلاقها على المدن والمواقع الفلسطينية، أو الأسماء التركية التي يستبدل بها الأتراك أسماء المواقع العربية سابقاً، فهي كلها أسماء استحواذ، خاصة عندما تكون العلاقة بين الأرض وساكنها علاقة احتلال. فأورشليم هي القدس طبعاً والاسمان نابعان من قدسيتها اليهودية (فهي بيت مقدش بالعبرية) وهي إيلياء بالنسبة للعرب المسلمين الفاتحين في القرن السابع. لكن أورشليم هو اسمها الإسرائيلي الحالي، الذي اقتبسه الغرب بحكم انتمائه الديني مما روجه عالمياً. والقدس اسمها العربي الذي اضمحل بسبب هزائم العرب المتتالية على يد إسرائيل في السبعين سنة الماضية حتى صار اليوم يتردد أنه سيكون اسم قرية أبو ديس الجديد. فالأسماء، كما الكثير من الأشياء، تكبر وتهرم وتموت إذا لم يتعهدها مسمّوها بالعناية، كما حصل ويحصل في فلسطين وقبلها الإسكندرونة وغيرها من بلاد العرب البائدة.

والأسماء خداعة أحياناً، تدل على ما لا تعني وتخفي في طياتها رغبات مُسميها بتحويرها أو بتزويرها، خاصة في أوقات الشدة والتقهقر. هكذا حال العرب في القرن الماضي: فهم يفقدون قدرتهم على الاحتفاظ بواقعهم من تراجع إلى آخر، ويفقدون مع ذلك قدرتهم على تسمية الأشياء بمسمياتها الصحيحة. فهزيمة الخامس من حزيران (يونيو) طُوبت «نكسة» وصدقها العرب، أو على أقل تقدير من هزم مباشرة منهم، ولم يعوا أن الهزيمة هي نهاية عصر وبداية عصر آخر تتالت فيه الهزائم الوجودية حتى أضحى العالم العربي اليوم أكثر مناطق العالم تقسيماً وضياع هوية وهيولة اجتماع. وكذلك الحال في الثورة السورية اليتيمة. فاسمها كثورة يتراجع، حتى من قبل من آمن بها وضحى بالغالي لأجلها، واسمها الرسمي، «الأزمة»، يتقدم بتقدم قوات النظام وقرب استعادتها السيطرة على كامل المناطق الثائرة في الغرب والجنوب. وهي بالتالي تفقد وجودها بفقدها اسمها وتصبح مشكلة لها حل مفروض آتٍ، لا انتفاضة شعب من أجل الحرية. فهل يا ترى ينساها التاريخ بنسيان اسمها، أم أن الأجيال القادمة ستبقيها باسمها الحقيقي فاعلة في وعيها الجمعي؟

 

 

* كاتب سوري وأستاذ في أم أي تي بالولايات المتّحدة الأميركيّة


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب