تنتخب الصين سلعاً دون غيرها تفرض عليها تعرفات جمركية في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. ورفع التعرفة على مثل هذه السلع له وقع سياسي في أميركا. فهي ترمي إلى التأثير في ناخبي دونالد ترامب. فعلى سبيل المثل، ليس فرض الرسوم على الصويا...

نزاع تكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة

ليونيل_فونتانيه |

تنتخب الصين سلعاً دون غيرها تفرض عليها تعرفات جمركية في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. ورفع التعرفة على مثل هذه السلع له وقع سياسي في أميركا. فهي ترمي إلى التأثير في ناخبي دونالد ترامب. فعلى سبيل المثل، ليس فرض الرسوم على الصويا قراراً سائراً ومحايد. فها المنتج بالغ الأهمية في لائحة المستوردات الأميركية، ولا مصلحة للرئيس الأميركي في انقلاب المزارعين عليه.

ولا شك في أن فرض التعرفات الجمركية على الصلب والألومنيوم هو من بنات النزاع التجاري التقليدي. وهذا يرمي إلى حماية الصناعات الآفلة. ولكن النزاع اليوم مختلف. فهو أقرب إلى معركة تكنولوجية مما هو معركة تجارية. فدونالد ترامب يرمي إلى حماية شطر آخر من الاقتصاد الأميركي: الابتكار التكنولوجي. ويخشى مستشاروه أن تلحق الصين بركاب أميركا في هذا المجال. وأكثر ما يخشونه هو ما ترمي إليه الخطة الصينية الصناعية المسماة «مايد إن شاينا 2025» (صنع في الصين 2025). فهذه الخطة قد ترسخ ما يسميه المؤرخون بانقلاب موازين القوى في الاقتصادات العالمية، على ما حصل في الأمس بين إنكلترا والولايات المتحدة حين رجحت كفة الأخيرة على الأولى، وقد يحصل في الغد بين أميركا والصين. وفي سبيل تفادي أو تجنب انقلاب الموازين هذه تتوسل واشنطن بذريعة واسعة النطاق: انتهاك بكين حقوق الملكية الفكرية.

والحق يقال لن تحول الحقوق الجمركية (فرض رسوم جمركية) دون مضي الصينيين قدماً، بل ستُقيد، على الأغلب، الشركات الأميركية، وتنزل الضرر بها. فهي (التعرفات الجمركية) تشمل مجموعة من المواد والسلع المستوردة من الصين تستخدم في الصناعات الأميركية. وليست هذه الرسوم والضرائب غير حلقة صغيرة من ترسانة الإدارة الأميركية لجبه الصين. ويُرجح أن تطور هذه الترسانة وتوسع. فقد تلتزم واشنطن إجراءات رادعة ووازنة في السباق التكنولوجي، منها حظر الصينيين من الاستثمار في القطاعات التكنولوجية في الولايات المتحدة. ومنها كذلك حظر الشركات الأميركية من نقل التكنولوجيا الدقيقة إلى الشركات الصينية حين الاستثمارات المباشرة في الصين.

ولا شك في أن الصين ستتجه إلى منظمة التجارة العالمية للشكوى من الإجراءات الأميركية أمام جهاز حل النزاعات. ولكن البت في هذه الشكوى عسير، في وقت تعوق الولايات المتحدة عمل الجهاز هذا، وتحول دون تعيين القضاة فيه. وقد يقتضي البت في هذه الشكوى مرور عامين، فتنتهي إلى تنديد منظمة التجارة العالمية بالتعرفات الجمركية الأميركية، وشجبها «إجراءات غير مبررة». ولكن في مجال حقوق الملكيات الفكرية المسألة أكثر تعقيداً. فمنظمة التجارة الدولية عاجزة عن رصد القيود التي قد تفرضها واشنطن على الاستثمارات، وهي لم تعد العدة لمعالجة مثل هذه المسألة، وتفتقر إلى وسائل معالجتها.

والصناعيون الأميركيون في موقف عسير. فهم استثمروا استثمارات ضخمة في الصين، ونقلوا إليها التكنولوجيا، ويستخدم واحدهم التكنولوجيا الصينية. فحلقات شبكات التصنيع مترابطة. وترتجى فائدة من تصعيد الصناعيين الأميركيين في نزاع تجاري تقليدي حين تتضرر الشركات الأميركية مباشرة، وتبرز تداعياتها على الوظائف في أميركا. ولكن في منطق التنافس التكنولوجي، غلبة رأي الصناعيين الأميركيين عسير.

والنزاع التكنولوجي الأميركي- الصين هو فرصة سانحة أمام أوروبا واليابان للعودة إلى السباق التكنولوجي في عدد من القطاعات. فإذا عُلقت العلاقات التكنولوجية بين الشركات الأميركية والصينية، قد تلجأ الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها باليابان وأوروبا.

 

 

* أستاذ في جامعة باريس الأولى – بانتيون- سوربون، وخبير في الشؤون التجارية والقوانين الجمركية، عن «لوموند» الفرنـــسية، 6/4/2018، إعداد منال نحاس.


الأكثر قراءة في معلوماتية واتصالات
المزيد من معلوماتية واتصالات