لم يصدق الإيطاليون، في العام 1975، وللوهلة الأولى، أن شاعرهم أوجينيو مونتالي يمكن أن يفوز بجائزة نوبل للآداب. فمع إيمانهم العميق بأنه يستحقها، ومع إدراكهم أن يوماً ما سيشهد العالم تتويج هذا الشاعر الكبير، إلا أن عقدة الاضطهاد التي يحسون...

«نوافذ» لمونتالي: الشعر من الصومعة إلى الجائزة

ابراهيم العريس |

لم يصدق الإيطاليون، في العام 1975، وللوهلة الأولى، أن شاعرهم أوجينيو مونتالي يمكن أن يفوز بجائزة نوبل للآداب. فمع إيمانهم العميق بأنه يستحقها، ومع إدراكهم أن يوماً ما سيشهد العالم تتويج هذا الشاعر الكبير، إلا أن عقدة الاضطهاد التي يحسون بها عادة، كانت تدفعهم إلى استبعاد الفكرة موقتاً على الأقل. لكن اللجنة المكلفة اختيار «أفضل كاتب» في العالم لذلك العام 1975... فعلتها. واختارت الشاعر الإيطالي، البالغ حدود الثمانين، ومنحته الجائزة العالمية التي قررها في وصيته، ذات يوم، الفريد نوبل، مخترع البارود! وإذا كان مونتالي، الذي ربما لم تترجم أي من قصائده أو دواوينه بعد إلى العربية، مجهولاً تماماً من القارئ العربي فإنه في أوروبا على الأقل، يُعتبر واحداً من كبار شعراء القرن العشرين، كما تعتبره إيطاليا أكبر شعرائها بعد انتهاء أونغاريتي وغويدو كوتزانو وغيرهما.

> ولد أوجينيو مونتالي العام 1896، وأمضى العقود الثلاثة الأولى من حياته في خدمته كضابط في مدفعية الجيش الإيطالي خلال الحرب العالمية الأولى، في مدينة جنوى البحرية التي ولد فيها في الثاني عشر من تشرين الأول. وبعد جنوى رحل إلى فلورنسا حيث عمل مديراً لإحدى المكتبات العامة. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، انضم إلى فريق محرري صحيفة «كورييري ديلاسيرا»، ما حمله على الإقامة في مدينة ميلانو، الحافلة بالمصانع والحداثة والديناميكية حتى أيامه الأخيرة.

أما بالنسبة إلى حياته الشعرية فقد بدأها فعلياً في العام 1925 حين نشر ديوانه الأول «عظام السمكة». وفي العام 1932 صدر ديوانه الثاني «بيت ضابط الجمرك وقصائد أخرى». أما ثالث دواوينه، «المناسبات»، فقد نشره في العام 1939 ليتبعه بعد سنوات أربع (العام 1942) بمجموعة «نوافذ» التي تضم أشهر قصائده وأهمها. وآخر دواوينه المجموعة صدر في العام 1956 في عنوان «العاصفة وقصائد أخرى».

وعبر هذه الدواوين الشعرية لا سيما عبر «نوافذ»، عُرف مونتالي على الدوام بكونه شاعراً مفكراً وفي التحديد بأنه شاعر يعبر في قصائده عن إدراك متفوق وواضح للأمور التي يعبر عنها. ففي قصائده العديدة، التي على أي حال لا تلتقي مع أي مباشرة فجة، يجابه مونتالي، ليس فقط «الموسيقى الداخلية للوجود والأشياء»، بل «جوهر هذه الأشياء، ومضمونها ومصيرها».

> وفي تناوله هذا يتمتع مونتالي بأسلوب جديد وفريد من نوعه بحيث يجد غير المتذوق للعمل الشعري الابداعي صورة فجة، وأحياناً في منتهى القبح. لكن الذي يأتلف مع هذه المظاهر سرعان ما يتغاضى عنها، إذ يدخل في قلب الصور التي يصبغها الشاعر على شكل رؤى واقعية تقف في الجانب المعاكس تماماً للصور الرومنطيقية التي تميز بها شعر معاصري مونتالي. ولهذا السبب، يُعتبر شعر الأخير «مضاداً للرومنطيقية».

> والواقع، أن العداء الذي يكنه الشاعر للرومنطيقية يتجلى في شكل خاص في موقفه تجاه الطبيعة التي، يتأملها من دون أي حس عاطفي مشابه لما امتاز به أسلاف مونتالي من الشعراء الإيطاليين الكبار، بل ويتأملها أيضاً دون حس الكآبة الذي ساد في القرن التاسع شعر قصائد بعض الإيطاليين، ومنهم على وجه الخصوص الشاعر جياكومو ليوباردي. ومع هذا ففي إمكان المرء أن يلمح في بعض قصائد مونتالي، خصوصاً التي كتبها قبيل الحرب العالمية الثانية وهي تلك التي نشر معظمها في «نوافذ»، بعض آثار الحزن الذي طبع شعراء بدايات القرن العشرين الذين عُرفوا باسم «شعراء الغسق»، ومنهم غويدو كوتزانو وفيليبو توماسو.

> لكن مونتالي لم يتأثر بالشعراء الإيطاليين وحدهم، إذ في إمكان قارئ «نوافذ» أن يدرك سريعاً التأثير الذي مارسه عليه شعر ت. أس. إليوت، وهو ما يتجلى في وضوح أن نحن أدركنا أن مونتالي كان هو الذي ترجم قصيدة «الأرض اليباب» لإليوت إلى الإيطالية. غير أن التأثير الإليوتي على مونتالي ظل شكلياً. فالشاعر الإيطالي لم يبطل البحث عن مسعى للحفاظ على القيم الإنسانية في «عالم يصبح، أكثر فأكثر، عالماً لا شخصياً على الإطلاق» وهذا ما جعله، في حق، واحداً من أهم الأصوات في الشعر الإيطالي الحديث، وأكثرها نفوذاً وتأثيراً على الإطلاق. وهذا التأثير لا ينبع من شعر مونتالي وحسب، بل أيضاً من كتاباته النقدية العديدة المنشورة في عشرات الصحف والمجلات.

> ولكن، إذا كان مونتالي مقبولاً، في شكل ممتاز، كشاعر كبير أعطى الكثير لحركة الشعر المعاصر في إيطاليا، وشكّل– على نحو ما– مدخلاً صلباً نحا بهذا الشعر في اتجاه العصر الحديث، فان نظراته إلى وظائف الفن والشعر في مجتمع متغير، تظل دون الأهمية المعطاة له. ويبدو هذا في وضوح من خلال شعره الذي ابتعد، قدر الإمكان، عن التفاعل مع أحداث المجتمع، على رغم عدائه للفاشية، وعلى رغم بعض القصائد التي كتبها بتأثير مباشر من بعض الأحداث. فمونتالي، على أي حال، يُعتبر شاعراً صومعياً (أي شاعر أبراج عاجية)، وهو يتولى بنفسه الرد على هذا الاتهام بقوله: «لست أعرف أي شاعر يعلن عن نفسه بأنه صومعي. فالصومعية لقب يلصق بالشعراء من خارجهم، ويراد منه أن يكون ذا مدلول سلبي. ولهذا لست أعتبر نفسي صومعياً في أي حال من الأحوال». والحقيقة أن «الصومعية» التي يمكن العثور على آثار كثيرة لها في قصائد «نوافذ» لا تبدو متكاملة تماماً. حيث لا يفوت بعض تلك القصائد، إن لم يكن معظمها، أن تطل على قضايا المجتمع ولكن من خلال قضايا الوجود التي يعاملها الشاعر معاملة الشؤون اليومية، في لغة تنهل من اليومي وتكاد تبدو في بعض الأحيان سائرة على خطى شاعر كجاك بريفير، الذي لا يفوت مونتالي أن يحيّيه ويحيّي «إبتذاليّته» اليومية بين الحين والآخر، غير أن المهم هنا هو أن الشاعر، كما في قصائد «نوافذ» خاصة، لا يلبث أن يُحدث استدارة تصل به إلى نوع من ميتافيزيقا ذاتية تقرّبه أحياناً من حلولية صوفية تبدو وكأنها السمة الأساس لشعره.

> وهكذا ضمن هذا الاتجاه المزدوج، ينفي مونتالي عن نفسه صفة «الابتعاد عن قضايا المجتمع» ويقول: «أعتبر نفسي مطبوعاً كوني إنساناً، أكثر مني كوني شاعراً. فأنا في شبابي كنت أرفض الفاشية الصاعدة رفضاً تاماً. ولكن، -بما أنني لم أكن بطلاً، ولست كذا بمعنى أنني لم أرم أية قنبلة على الفاشيين، ولم أهرب إلى الخارج مثل العديد من رفاقي، ولم أشكل مجموعات مقاومة كما فعل صديقي غوبيتي– أرى أن مقاومتي للفاشية كانت مقاومة سلبية، أي أنني اكتفيت بالابتعاد عن الأجواء العامة، ولم أشترك في التظاهرات الفاشية، ولم أحمل بطاقة الحزب الفاشي، ما عرضني للكثير من المضايقات، خصوصاً أنني وقّعت، مع آخرين، في العام 1925، البيان السياسي العنيف المضاد للفاشية الذي صاغه بنديتو كروتشي. وبعد التحرير انتسبت، في رغبة مني في العمل السياسي، إلى حزب سياسي هو «حزب العمل» (بارتيتو داتزيوني). لكنني سرعان ما تركته إذ أدركت– أو هكذا بدا لي– أن معظم المنتمين إلى هذا الحزب، إنما كان انتماؤهم ذا طبيعة انتخابية وانتهازية ليس أكثر. غير أن هذا النشاط السياسي القصير أبقى في السنوات التالية آثاراً عديدة طبعت بعض قصائدي، وخصوصاً «ربيع إيطالي» و «حلم السجين»، على رغم أن كل من قرأ هذه القصيدة الأخيرة ما زال يتساءل حتى الآن إذا كان السجين هنا سجيناً سياسياً أم إنسانياً أم «سجين الوضع الإنساني»، أم وجودياً أم متقاعساً بعيداً عن الحياة العملية».

> مونتالي، حين بلغ التاسعة والسبعين من عمره، خلص إيطاليا من عقدة الاضطهاد التي تشعر بها تجاه العالم الثقافي، وأعطاها نوبل التي كانت تنتظرها في شوق منذ العام 1959 حين نالها سلفاتوري كوازيمادو، الذي يُعتبر هو ومونتالي اكبر شاعرين إيطاليين في النصف الأخير من القرن العشرين.

> غير أن هذا الفوز لم يسرّ يومها، كما يبدو كل إيطاليا، إذ، ما أن أعلن عن الجائزة حتى بدأ الصراع الأدبي– الذي له على أي حال طابع سياسي– يكتسح الجو الثقافي. أما مونتالي نفسه فلم يتردد في إبداء سروره ذات يوم، بسبب ما يثار من حوله من معارك على الدوام، مشيراً إلى أن «أية جائزة تُمنح لي ستكون تتويجاً للنهج الذي أسير عليه أكثر مما هي تتويج لي شخصياً».