التمزق السياسي الذي يسود الساحة العراقية مـــنذ 2003 أصبح يهدد تماسك الدولة، وعلى رغم أن عـــدد الأحزاب المسجلة تناقص من 511 عام 2005 إلى 204، إلا أنه ما زال كبيراً. وإن كان هذا «التعدد» مفـــهوماً في البداية فإنه لم يعد مبرراً بل أصبح...

البداوة السياسية إذ تقود العراق إلى المجهول

حميد الكفائي |

التمزق السياسي الذي يسود الساحة العراقية مـــنذ 2003 أصبح يهدد تماسك الدولة، وعلى رغم أن عـــدد الأحزاب المسجلة تناقص من 511 عام 2005 إلى 204، إلا أنه ما زال كبيراً. وإن كان هذا «التعدد» مفـــهوماً في البداية فإنه لم يعد مبرراً بل أصبح عبئاً ثقيلاً على العراق، خصوصاً أنه لا يعبّر عن تنوع سياسي حقيقي بقدر ما هو سعي أناني نحو السلطة والنفـــوذ. إنه بداوة سياسية وانعدام القدرة على التفاهم بين الجماعات العراقية المختلفة.

لقد امتد هذا التشرذم حتى إلى الأحزاب المتماسكة سابقاً كـ «حزب الدعوة» الذي عجز عن دخول الانتخابات موحداً بسبب الصراع الداخلي، وإصرار نوري المالكي على البقاء في القيادة على رغم تراجع شعبيته واستحالة وصوله إلى الحكم من جديد.

كان يمكن أن يختفي معظم هذه الجماعات منذ الانتخابات الثانية أو الثالثة لأنها تفتقر إلى الرؤية السياسية والبرنامج الإصلاحي الذي يميزها عن بعضها، لكن الذي أمد في عمرها هو الدخول في تحالفات سياسية غير متجانسة قبيل الانتخابات وإيهام الناخب بوجود كيان سياسي متماسك وذي أهداف موحدة. هذه التحالفات غير مبنية على أسس فكرية ولا تمتلك برامج سياسية متميزة إنما هي تحالفات مصلحية وقتية سرعان ما تنتهي بعد الانتخابات لتبدأ كل جماعة بالتفاوض على حصتها في السلطة.

رئيس الوزراء، حيدر العبـادي، شكل تحالفاً سماه «النصر» في إشارة إلى انتصاره على الإرهاب، لكنه ضم إليه جماعات مفلسة تكاد تغرق سياسياً بسبب سجلها السيئ وفسادها المفضوح، فمد إليها حبــل النجــاة لتــبــقى تمارس الـفساد وتــعرقـل عمله مستقبلاً إذا افترضنا أنه سيحتفظ برئاسة الوزراء.

جماعة «دعاة الإسلام» مثلاً، وهي جماعة منشقة عن «حزب الدعوة» منذ 1999، كانت تنتحل اسم «الدعوة» مع لاحقة «تنظيم العراق»، إلا أن المحكمة الاتحادية قضت بعدم جواز استخدامها الاسم لأنه مسجل لحزب آخر، وأن لاحقة «تنظيم العراق» لا تميزها عن «حزب الدعوة» لأنه هو الآخر تنظيم عراقي. إن كانت هذه الجماعة مختلفة عن «حزب الدعوة» فلماذا تتحالف معه؟ وإن كانت تشترك معه في التوجهات السياسية فلماذا لا تعود إليه؟

جماعة المجلس الأعلى هي الأخرى غير متماسكة وقد انشطرت قبل أشهر عدة إلى شطرين بسبب التناحر بين قادتها، لكنّ الشطرين المتخاصمين ائتلفا من جديد لمصالح انتخابية بحتة، فالخلافات ما زالت عميقة بينهما، لكن القادة يعرفون أنهم لن يتمكنوا من البقاء من دون التحالف وقتياً. وهاتان الجماعتان دخلتا في تحالف العبادي ما يمنحهما عمراً جديداً لأنهما ستفوزان بأصواته.

جمـــاعات أخــــرى صغيرة لا تمثل تيارات سياسية حقيقـــية، مثل جماعات الجعفري والشهرستاني والفضــــــيلة، هي الأخرى تحالفت مع الـعبادي وسوف تستفيد من شعبيته وتبقى في العملية السياسية.

نوري المالكي بقي زعيماً لائتلاف «دولة القانون» الذي شكله عام 2009 والذي يضم أصهاره وأبناء إخوته وأعمامه وأتباعه ومؤيديه. من غير المتوقع أن يحصل على تمثيل كبير كالسابق، لأن العراقيين بمعظمه يلومونه على انتشار الفساد وضياع أموال العراق وسقوط المدن العراقية بأيدي الجماعات الإرهابية وتأجيج الطائفية.

الزعيم الديني مقتدى الصدر أبدى جرأة سياسية نادرة عندما تحالف مع الحزب الشيوعي وجماعات علمانيــــة متفرقة. وعلى رغم أن تحالف «سائرون» يضم أطرافاً قد تبدو متناقضة فكرياً، إلا أن هناك أسساً سياسية جمعت مكوناته منها السعي الى تمثيل الفقراء والمتضررين وإقامة دولة مدنية ومحاربة الفـــساد وتشكيل حكومة من التكنوقراط والتخلي عن المحاصصة التي تشكلت وفقها الحكومات السابقة.

ومن أغرب التحالفات الجديدة تحالف العلماني أياد علاوي مع الإسلامي سليم الجبوري الذي تدنت شعبيته بسبب تقلباته وسوء إدارته البرلمان. هذا التحالف سوف يمنح سليم الجبوري عمراً سياسياً جديداً لأنه سيستفيد من شعبية علاوي بين العلمانيين والسُنّة.

أما زعيم منظمة بدر (فيلق بدر سابقاً) فقد شكل تحالفاً انتخابياً باسم «الفتح» ضم فصائل عدة معظمها مسلح، وبعضها متطرف ومتهم بارتكاب أعمال خطف وقتل. وكانت هذه الجماعات تقاتل «داعش» تحت عنوان «الحشد الشعبي» الذي يفترض ألا يشارك في الانتخابات باعتباره جزءاً من القوات الأمنية، غير أنها ظلت تمارس العمل السياسي مع إبقائها على فصائلها المسلحة، ومعظمها مرتبط بإيران.

وكان العامري قد تحالف مع العبادي لكنه انسحب لأسباب «تقنية» وفق قوله، لكن السبب الحقيقي على ما يبدو أنه يعتقد بأنه سيحقق نجاحاً أكبر إن بقي منفرداً، معتمداً على سجله في محاربة الجماعات الإرهابية، كما إنه إن تحالف مع العبادي فسوف يساهم في فوز فصائل منافسة كجماعات الحكيم والفضيلة والمجلس الأعلى.

الأحزاب الكردية هي الأخرى تعاني من الانقسام وتراجع الشعبية، فحزب «بارتي» بزعامة مسعود بارزاني قرر عدم خوض الانتخابات في المناطق الواقعة خارج الإقليم والتي اعتبرها «محتلة» بعد أن عادت للارتباط بالمركز إثر اندحار تنظيم «داعش». لكن السبب الحقيقي لعدم المشاركة هو تراجع شعبية بارزاني بعد فشل الاستفتاء على الاستقلال واتضاح سوء إدارته تلك المناطق التي سيطر عليها بالقوة إثر انشغال المركز في محاربة الجماعات الإرهابية.

أما حزب «يكتي» فقد انقسم بعد رحيل زعيمه جلال طالباني الى أجنحة عدة، بينما انشق عنه برهم صالح وأسس تنظيماً جديداً. حركة «كوران» ما زالت قوية على رغم غياب زعيمها، نوشروان مصطفى، وذلك لأنها حاربت فساد حكومة الإقليم التي يديرها حزبا «بارتي» و «يكتي» ووقفت ضد انفراد أسرة بارزاني بالسلطة وعارضت الاستفتاء على الاستقلال. ويتوقع مراقبون أنها ستحصل على تمثيل أكبر في الانتخابات المقبلة.

النظام الانتخابي الحالي «سانت ليغو المعدل عراقياً» يخدم التحالفات الكبيرة ويمكِّن مرشيحيها من الفوز بأصوات قليلة، وكم «فاز» مرشحون بأقل من مئة صوت، بينما أخفق آخرون على رغم حصولهم على آلاف الأصوات، مثل جاسم الحلفي (16 ألفاً) وهيفاء الأمين (ثمانية آلاف) في الانتخابات الماضية.

لا شك في أن رفض العبادي الانضمام إلى تحالف المالكي إجراء صائب ومبرر، لكن تحالفه مع جماعات ضعيفة وفاسدة سوف يديم التشرذم والتمزق في الساحة العراقية ويمكِّن هذه الجماعات من البقاء وإضعاف الدولة. ما لم تحصل اندماجات حقيقية تقوم على توجهات سياسية متميزة وبرامج اقتصادية مدروسة، فإن مستقبل العراق كدولة متماسكة سيكون في مهب الريح.

 

 

* كاتب عراقي


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب