مسجد ساحة «تقسيم» تاريخ تنافس على روح إسطنبول

إسطنبول - بيسان الشيخ |

قد لا يتنبّه عابر ساحة تقسيم الشهيرة وسط إسطنبول بالضرورة إلى أعمال الحفر والبناء التي بدأت في إحدى زوايا الساحة لجهة الغرب، وتعود إلى مسجد تقرر أخيراً إطلاق بنائه، بعد عقود من المعارك القانونية والتجاذب السياسي.

والمشروع الذي يحاول المحافظون الأتراك إنجازه منذ 1968 ويدافع عنه الرئيس رجب طيب أردوغان منذ كان رئيساً لبلدية إسطنبول، توقف مراراً خلال العقود السابقة بقرارات مباشرة من المحكمة بحجة أنه «لا يخدم المصلحة العامة». لكنه اليوم يرى النور بالحجة ذاتها، وهي أن المنطقة التي سيبنى فيها تفتقر إلى عدد كاف من المساجد يخدم المصلين، علماً أن منطقة «بيوغلو» الإدارية تضم مئات المساجد، كما حال غالبية أحياء إسطنبول، لكن محيط الساحة المباشر لا يحوي إلا 3 مساجد صغيرة.

قبل بضعة أيام، نُصِبت رافعات البناء في الموقع الذي يُستخدم عادة منطقة لتجمع شرطة مكافحة الشغب، ووُضع الحجر الأساس في احتفال متواضع جداً، وسط مخاوف من احتجاجات شبيهة بتظاهرات «حديقة غيزي» الشهيرة في 2013 والتي جاءت اعتراضاً على بناء ثكن عثمانية في الحديقة المواجهة لساحة «تقسيم».

والمفاجأة أن القرار الذي وقعته مديرية «حفظ الإرث الثقافي» أواسط الشهر الماضي، ثم احتفال وضع الحجر الأساس مرّا بلا أي ضجيج أو اعتراض يذكر. الساحة على ما هي، والحركة فيها طبيعية ولولا بعض الملصقات الجانبية لتصميم المسجد لما تنبّه المارة إلى ما يجري.

صُمِّم المشروع على مساحة تقارب 1500 متر مربع، على أن يتسع لحوالى 950 شخصاً. ويضم المجمع، إلى المسجد الذي سترتفع مئذنته 30 متراً، قاعةً للمؤتمرات، وردهات لنشاطات متفرقة، كما خُصصت مساحة تحت الأرض لمواقف السيارات ويفترض أن يبدأ باستقبال الزوار في رمضان 2018.

أشرف على وضع التصاميم الهندسية المعماريان شفيق بركية وسليم دالامان، اللذان صمما قصر الرئاسة الفاخر في أنقرة والمسجد التابع له. وكان لافتاً أن مشروعاً بهذا الحجم لم يدخل في مناقصات واستدراج عروض، وأُحيطت موازنته بتكتم شديد، فيما أفادت وسائل إعلام محلية بأنه «تبرع» من صاحب الشركة المنفذة (سور العقارية) الذي «ولد وترعرع في الحي وكان يحلم بأن يبني مسجداً فيه».

ويعتبر كثيرون أن تمرير قرار البناء في ظل قانون الطوارئ الساري منذ محاولة الانقلاب في تموز (يوليو) الماضي، كان له الأثر الأكبر في منع أي حركة احتجاجية أو اعتراضية، خصوصاً مع ما شهدته الساحة ذاتها من عنف في تظاهرات 2013، انتهت بوقف بناء المباني العثمانية لكنها عملياً لم تنجح في وقف تغيير معالم الساحة تغييراً جذرياً وقطع الأشجار من حديقتها.

وتتهم المعارضة حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بأنه يستغل فترة حكمه لتغيير «روح المدينة» وجعلها أكثر «إسلامية» و «عثمانية»، خصوصاً مع وعود رئاسية باستئناف العمل بمشاريع مجمدة أو إعادة فتح دور عبادة تحولت متاحف، كـ «آية صوفيا» الشهيرة.

والمسألة التي يثيرها المشروع الأخير، تتخطى مجرد إضافة مسجد في مدينة تذخر بالمساجد والتكيات، وإنما تذهب إلى عمق التنافس القديم- المتجدد للسيطرة على الحيز العام ومحاولة كل طرف فرض بصمته الثقافية والفكرية على المساحات المشتركة، من حدائق وميادين ومرافق عامة. إنه ببساطة، كما يُهمس هنا، صراع محموم للقبض على «روح إسطنبول» المتمردة.