الصراع على الرقة قبل قرن

شارع في مدينة الرقة
رستم محمود |

ثمة العديد من القوى السياسية والعسكرية التي تنتظر تحرير مدينة الرقة من تنظيم «داعش» الإرهابي، لتحاول السيطرة على المدينة. وهي قوى مُختلفة تُدرك أن الطرف الذي سيخوض الحرب المُباشرة مع القوى الدولية لإخراج «داعش» من المدينة، سيكون الأوفر حظاً للسيطرة عليها في ما بعد.

كانت الرقة شبه مُهملة من قِبل الحكومة والسُلطة المركزية السورية طوال حُكم البعث. ويذكر سُكان المدينة بأن منطقتهم كانت أشبه بـ «مُستعمرة داخلية»، مُتخلفة تنموياً واقتصادياً وسياسياً، ولم يتم تعيين سوى وزيرٍ واحدٍ منها طوال حُكم البعث، الذي كان جناحه السوري يشكك على الدوام بولاء سُكانها ومُحيطها العشائري للبعث السوري، ويحاول جاهداً تحطيم الروابط السياسية والشعورية لأغلبية السُكان مع نِظام البعث العراقي. لذا فقد أهملها من كُل الجوانب، ومنح إدارتها الأمنية أوسع الصلاحيات.

قبل قُرابة قرنٍ من الصراع الحديث على حُكم الرقة، خلال سنوات القلق السياسي بين انهيار الإمبراطورية العُثمانية وهيمنة الدول الاستعمارية على الكيانات الحديثة (1916-1921)، شهدت المدينة وعموم الجزيرة السورية صراعاً شرساً على الحُكم، تداخلت فيه الطبقات السياسية والاقتصادية والمجتمعية المحلية مع نظيرتها «الوطنية» والدولية.

وكتهيئة للأجواء المحلية السورية، كان الفرنسيون قد عقدوا بعض التوافقات مع السُكان المحليين، من أهمها اتفاقيات التعاون مع زُعماء لأفخاذٍ من قبيلة العنزة، بفرعيها الجنوبي والشمالي.

اتفقت القوات الفرنسية مع الأمير نوري الشعلان، أحد زُعماء الأفخاذ الجنوبية للقبلية. وشاركت قوات الشعلان الجيش الفرنسي في هجومه على الجيش السوري الوطني أثناء موقعة ميسلون الشهيرة في 7 آب 1920. وحين تقهقر الجيش الوطني، سلبوا أفراده سلاحهم ومتاعهم. وبعد دخول غورو دمشق «دخول الفاتحين»، تتقدمه «كوكبة من فرسان الأمير نوري الشعلان»، كافأه غورو على ذلك بمليون ونصف مليون فرنك فرنسي، وهو ما كان يساوي قرابة 32 ألف جنيه إسترليني، كذلك منحه ضمان المنطقة المحيطة بدمشق أمنياً، مقابل غض النظر عن جبايته الضرائب على البضائع في نقطة سيطرته في منطقة عدرا قرب دمشق.

جنوباً كان مجحم بن مهيد زعيم فرع الفدعان من عشيرة العنزة، نظير نوري الشعلان، قد أنهى كل اتصالاته وأبرم اتفاقه مع الفرنسيين منذ تموز (يوليو) 1919، بتعهده الدفاع عن الانتداب الفرنسي أمام لجنة كينغ-كراين، ومساعدة القوات الفرنسية على احتلال كل الشمال السوري، بما في ذلك مدينة حلب، مقابل حصوله على مبلغ مليون فرنك فرنسي، يُدفع جزء كبير منه مسبقاً، وهو ما حصل فعلاً. وهذا ما حدا بسلطات حكومة فيصل العربية إلى اعتقاله وسوقه من مدينة الرقة إلى العاصمة دمشق. لكن الجنرال البريطاني اللنبي، الذي كان بمثابة الحاكم العسكري إلى جانب حكومة فيصل العربية، اضطر لإخلاء سبيله، بضغط مباشر من جورج بيكو، المفوض السامي الفرنسي الأول على سورية ولبنان.

قبل الزحف الفرنسي على مدينة حلب بيوم واحد (23 تموز 1920)، شهدت مخازن الأسلحة في منطقة المشهد انفجاراً ضخماً، راح ضحيته 500 من سكان المدينة المتدفقين للتسلح والدفاع عن المدينة. وتذهب المرويات إلى أن قوات بن مهيد هي التي نفذت تلك العملية، مقابل حصوله على الجزء المتبقي من المبلغ الموعود.

كان تحالف الزعيم العشائري مجحم بن مهيد مع القوات العسكرية الفرنسية، جزءاً من التنافس بينه وبين عمه حاجم بن مهيد على زعامة مشيخة الفدعان. فقد كان العم وصياً على هذه الزعامة بعد مقتل أخيه تركي بن مهيد، والد مجحم، إلى أن يكبر هذا الأخير. لكن العم بقي متمسكاً بولائه للحكومة العربية في دمشق، التي نال منها رتبة الباشوية. ولمّا اعتبر أن اتفاق أبن أخيه مع الجنرال الفرنسي دو لاموت موجهاً ضده، فقد تحالف مع الأتراك الكماليين الذين دعموه مالياً وعسكرياً لمواجهة قوات ابن أخيه المتحالف مع القوات الفرنسية.

فقط بعد أحد عشر يوماً من احتلال القوات الفرنسية مدينة حلب، وقع الجنرال دو لاموت كمندوب عن الجنرال غورو مع «البيك» مجحم معاهدة سرية، تولى بن مهيد بموجبها مهمة قائد شرطة البادية، والتي كانت تعني فعلياً مساندة قواته القوات الفرنسية لاحتلال عموم شمال وشمال شرقي سورية. لكن الاتفاقية السرية هذه، ووفق ما ورد في الوثائق الفرنسية الرسمية في ما بعد، لم تعترف بابن مهيد أميراً أو حاكماً على تلك المنطقة، بل مجرد قائد لجميع العشائر الواقعة بين مدينتي جرابلس وتل أبيض، مقابل قبوله التام بالانتداب الفرنسي والالتزام بالتعليمات العسكرية والقانونية الفرنسية، وأن تخضع قوات الهجانة التي تتكون من تابعيه للقوات والأوامر العسكرية الفرنسية، وأن يحصل على مبلغ 1000 ليرة تركية شهرياً لتغطية نفقاته الخاصة.

لكن عشيرة الفدعان عادت وانقسمت، بين فرع «الولد» الذين والوا زعامة آل مهيد، وفرع «الخرصة» الذين والوا زعامة ابن قعيشيش. وكان هذا الأخير مناهضا للنفوذ الفرنسي، لكنه لم يقاوم الاحتلال الفرنسي للسهوب الجزراوية السورية، لأنه كان يكنّ عداء مكيناً لحاجم بن مهيد، الذي كان بدوره يناهض القوات الفرنسية الحليفة لابن أخيه ومنافسه على الزعامة، مجحم.

في هذا الإطار، توصل حاجم «العم» إلى تفاهم مع الحكومة العربية في دمشق، لإعاقة الاحتلال الفرنسي للجزيرة، وذلك بهدم جسر جرابلس الشهير على نهر الفرات، مقابل حصوله على راتب قدره 3000 دينار شهرياً، وتزويده بـ800 وزنة حنطة شهرية وبـ600 بندقية. وهو الاتفاق الذي أُبرم بالأساس مع «جمعية العهد» العراقية التي عينت الضابط العراقي يوسف العزاوي مساعداً لحاجم.

أعلن حاجم بن مهيد «دولة الرقة المُستقلة» تحت الراية العربية في العاشر من آب (أغسطس) 1920، بالتعاون مع رمضان شلاش، حاكم المدينة العسكري العربي، والذي كان قائداً من قبل لثورة مدينة دير الزور ضد البريطانيين في أواخر 1919. وشكل حاجم «مجلساً وطنياً» يضم 16 شخصية.

كانت «دولة الرقة المُستقلة» تستمد سلطتها من دعم القوات الكمالية لها، إذ كانت الأخيرة تقاتل الفرنسيين في كيليكيا آنذاك. وزود محمد نهاد باشا قائد القوات الكمالية في منطقة ما بين النهرين، «دولة بن مهيد» بسرية تركية نظامية من الفرقة الخامسة للجيش التركي من مدينة أورفا (الرها) لمحاصرة القبائل «الملية» الكردية وعشائر «الفدعان» العربية الموالية لأبن أخ حاجم، المتحالف مع الفرنسيين.

بدأت الحكومة الفرنسية في «دولة حلب» مفاوضات مع حاجم بن مهيد، لأنها لم تستطع تُنفيذ أمر الجنرال غورو دخول المناطق التي تُسيطر عليها قوات حاجم بين مهيد خلال الشهور الأولى لإعلان دولته. خلال مداولات الجنرال الفرنسي دو لاموت مع شخصيات من طرف بن مهيد، عرض أن يدفع الطرف الفرنسي رواتب الجنود التابعيين لبن مهيد، وأن يُعهد لهم مُراقبة وحماية الحدود الشمالية مع تُركيا، وبقيادة حاجم بن مهيد ذاته. بالإضافة إلى مبالغ مالية طائلة.

لم تنجح المداولات، بعد رفض بن مهيد تغيير ولائه. فبدأت القوات الفرنسية بقصف الرقة اعتباراً من أيلول (سبتمبر) عام 1920، لكنها لم تستطع أن تُسيطر على المدينة، خصوصاً بعدما زودت القوات الكمالية بن مهيد بقُرابة 250 جُندياً تُركيا. لذا انحصر الهجوم الفرنسي على القصف الجوي بين فترة وأخرى.

زاد ذلك من ثقة حاجم بن مهيد بنفسه، وقرر أن يبدأ حملة مُضادة على الفرنسيين في مدينة حلب، بعدما كان قد تلقى الكثير من الوعود من الجانب التُركي بتلقي مُساعدات عسكرية واسعة، قد تصل لتزويده بألف مُقاتلٍ . لكن حملته لم تنجح سوى باحتلال بعض المناطق على طريق الرقة- حلب، مثل بلدة منبج. فخلال معركة مدينة حلب، لم يمده الطرف التُركي بأية مُساعدات مُباشرة، ما أدى لهزيمته وانسحابه لمدينة الرقة مجدداً.

استمر بن مهيد ضعيفاً طوال الفترة التي تلت ذلك، لأنه كان فاقداً الثقة بالجانب التُركي، ويخشى من التحالفات التي كانت السُلطات الفرنسية تحيكها مع القوى العشائرية المحلية. لكن الضربة القاصمة لمشروعه جاءت من الاتفاق السياسي بين تُركيا وفرنسا في 20-10-1921، والتي رسمت الحدود الجغرافية والسياسية بين الطرفين التُركي والفرنسي.

تناثرت أركان حُكم حاجم بن مهيد اعتباراً من ذلك الوقت، وبعد أقل من شهرين دخلت القوات الفرنسية الرقة من دون أي مقاومة تُذكر. وكانت بذلك نهاية «دولة بن مهيد» في مدينة الرقة، التي استمرت عاماً و3 شهور. ومن سُخرية القدر فإن الشيخ مجحم بن مهيد توسط عمه لدى الفرنسيين، حتى لا تتم مُحاكمته، على أن يوقع على صك الاعتراف بالانتداب الفرنسي، وهو ما تم فعلاً، وعاد حاجم بن مهيد مُجرد زعيمٍ قبلي.

كان الصراع على حُكم مدينة الرقة وقتئذ، تُحركه ثلاث ديناميكيات بالغة التداخل. فمن طرفٍ كانت فرنسا تُدرك أن حُكم الرقة هو المفتاح لحُكم منطقة الجزيرة السورية، وبالتالي التواصل مع الأجزاء الحيوية من ولاية الموصل، التي وعدت بريطانيا بأن تمنح فرنسا جزءاً من عائداتها النفطية، وكذلك سنجق دير الزور الذي كان جزءاً من الحصة البريطانية وفق اتفاقية سايكس بيكو، وكانت الموصل جزءاً من الحصة الفرنسية. لذا فإن الفرنسيين كانوا يولون اهتماماً بالغاً بمركزية مدينة الرقة، التي تُشكل نقطة تحكُمٍ في السهوب بين مدينتي حلب والموصل. متفوقة على مكانة مدينة دير الزور، التي كانت تستحوذ على ثقلٍ عشائري أقل من الرقة.

كانت الحركة الكمالية بدورها تطمح لدعم القوى المناهضة للنفوذ الفرنسي، خصوصاً العربية منها. كانت حكومة أتاتورك، المناهضة لحكومة السُلطان في إسطنبول، تتخوف من تطبيقات اتفاقية سيفيّر، التي تمنح الكُرد الحق في إجراء استفتاء عام على الاستقلال في ما لو رغبوا. كان الكماليون يتخوفون من نفوذ عائلة إبراهيم باشا المليّ، الذي كان قائداً مشهوراً لإحدى الفرق الحميدية، وأحد أهم حُلفاء السُلطان عبدالحميد، وعدواً لدوداً لقادة حزب الاتحاد والترقي، ومنهم مُصطفى كمال أتاتورك. وكانت تُركيا تعتبر أن دعم أحد الزُعماء العرب المحليين سيقضي فعلياً على نفوذ عائلة إبراهيم باشا الملي، التي كانت تُسيطر على كامل سهول الرقة حتى حدوث انقلاب «تُركيا الفتاة» الشهير على السُلطان عبدالحميد 1908. خصوصاً أن هذه العائلة الكُردية كانت استثنائية في علاقتها مع العشائر العربية والشيشانية والسريانية في كامل منطقة شمال الرقة.

طوال هذه المرحلة التي انقسمت فيها عشائر المناطق الجنوبية من الجزيرة السورية بين موالية للقوات الفرنسية، من قبائل الملية الكردية والفدعان العربية بزعامة مجحم، وبين قبائل أخرى موالية للقوات الكمالية، من قبائل شمر وعشيرة الفدعان بزعامة حاجم، وهي فترة امتدت بين 1919 و1920، تحولت تلك المناطق بؤر سلب ونهب متبادلين بين هذه العشائر، فكانت العشائر الشمرية تهاجم المواقع الملية للثأر مما كانت هذه الأخيرة قد أوقعته بعشائر شمر قبل عشرات السنوات، حينما كانت مدعومة من السلطات العثمانية، فيما بات الشمر مدعومين من القوات الكمالية. ولم يعترض على حملات النهب المنظمة تلك سوى الجنرال دولاموت، الذي وبخ مجحم واسترد منه جميع الأسلحة الفرنسية التي أودعه إياها. وفعلاً استقال بن مهيد من منصبه شبه الرسمي.

كان النهب العام المُتبادل ودينامية الهيمنة على الزعامة المحلية، من أهم الآليات التي قادت المسارات وبدلتها خلال تلك السنوات. وبمعنى ما، كان شكل علاقة هذه الزعامات المحلية مع القوى «الوطنية» والدولية في تلك الفترة يمر عبر قدرة هذه الأخيرة على تثبيت تلك الزعامات. مقابل ذلك فإن الأيدولوجيات القومية والوطنية كانت نسبية التأثير للغاية.

راهناً يبدو أن الكثير من المُشتركات ما زالت حاضرة، خصوصاً في التداخل بين الأدوار التُركية والدولية والمحلية، في ما خص ولاءات الأطراف ومصالحها، لكن مع شحنة بالغة من الأيديولوجية، خصوصاً الكُردية والإسلامية. وفوقهما مؤثران بالغا الدقة، الأول يتعلق بانهيار الدولة الوطنية، والثاني خلاء سورية المُعاصرة من أي زعيمٍ مناطقي، بسبب سنوات حُكم البعث، وفي عهدها الأسدي الطويل

 

 

* كاتب سوري