متحف دار المدينة يختصر تاريخها ويحتفظ بعبقها

جدة - عمر البدوي |

< إذا زرت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألقيت التحية على قبره وصاحبيه رضي الله عنهما، ثم توجهت إلى مقبرة البقيع المحاذية لمسجده، التي تضم رفات صحابته وزوجاته رضي الله عنهم، ثم توجهت إلى حيث تصطف حافلات النقل الصغيرة، ستغرق بينهم وهم يتنادون لرحلة قصيرة وماتعة في أبرز معالم وملامح هذه المدينة التي درج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وهم يؤسسون لهذا الأمر العظيم الذي انعقد على تراب هذه المدينة الوضيئة قبل أكثر من 1400 عام.

وأنت تتجول في هذه المعالم وترهف سمعك لقصص المكان ورائحته المعتقة بالتاريخ، تشعر باتصال وجداني عميق، يرفد علمك ومعرفتك المبتسرة التي عشتها في صفحات الكتب وحكايات العارفين.

ولكن متحفاً شهيراً بني في هذه المدينة، سيكون من سوء الحظ لزائر المدينة أن يتجاوزه ولا يمر به، إنه متحف دار المدينة للتراث العمراني والحضاري، وهو متحف تراثي عمراني معماري حضاري وثقافي يشمل الحياة الاجتماعية للمدينة المنورة.

يهدف المتحف إلى إظهار وإبراز أهمية تاريخ المدينة المنورة التي تغمر الروح بسكينتها وتملأ القلب شوقاً لبركتها وحنيناً لماضيها.

وهو أول متحف متخصص للتاريخ والتراث الحضاري للمدينة المنورة، يكشف معالم إرثها وحضارتها الإسلامية، وأنت تتنقل بين جنباته ولوحاته ومجسماته تجد مقتنياته تلبي كل الاهتمامات وعلى رأسهم طالب العلم والباحث اللاهث عن فرصة للتعرف على تفاصيل دقيقة وشاملة من معالم السيرة النبوية والإسلامية والثقافة العمرانية والحضارية للمدينة المنورة.

كما يكشف المتحف معالم إرثها وحضارتها الإسلامية وعبق تاريخها المجيد، إضافة إلى استعرض جهود أجيال متوالية من أبنائها جعلوا لها طابعاً تاريخياً وحضارياً وعمرانياً فريداً يحمل في أعماقه فلسفة تنبثق من رؤية إسلامية للحياة وللجمال.

«الحياة» التقت المدير التنفيذي للمتحف الرجل المديني الخالص حسان طاهر، الذي يجد في هذه المدينة الأثيرة إلهاماً في كل خطواته وتفاصيل حياته، فهو مثل كل أبناء المدينة المنورة يعبر وينطق ويتصرف على هدى الأثر والسحر الذي تطبعه المدينة في وجدانهم وسلوكهم.

عبر المجسمات والصور والمؤلفات والمعروضات النادرة، التي تنتشر في أطراف المتحف، يلامس الزائر عن قرب ورأي عين وإحساس ماضي المدينة المنورة العريق ومسيرة أهلها منذ الهجرة النبوية الشريفة وحتى العهد السعودي الزاهر.

افتتح المكان عام 2011 واستقبل في أولى سنواته أكثر من 100 ألف زائر من كل الأعمار ممثلين بأكثر من 30 جنسية مختلفة من أنحاء العالم، إضافة إلى الوفود الرسمية والعائلات وطلاب الجامعات والمدارس من خارج المدينة وداخلها.

لا يتوقف عمل المتحف عند استقبال الزوار، بل تهدف الدار إلى الاهتمام بنشر سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتأكيد على السيرة المكانية لها مستعينة في ذلك بنصوص السيرة النبوية الصحيحة لعمل المجسمات الوثائقية للأحداث ما ساعد على إحيائها ومعايشتها وإشباع نهم الزوار باطلاعهم على المعارف والأحداث البارزة للسيرة النبوية الشريفة التي كانت وماتزال من أهم الأحداث التي يتطلع الزائر إلى معرفتها عن قرب.

إلى جانب إثراء الأبحاث المتخصصة في مجال التراث العمراني والمعماري للمدينة المنورة، وإيجاد مركز متخصص يهتم بذلك، كما تهدف إلى تكوين مكتبة متخصصة تضم الكتب والأبحاث والمجلات المتخصصة في مجال خدمة العمارة والعمران وجعلها في متناول الباحثين في هذا المجال.

وتشجع الدار الطلاب على البحث في مجال التراث العمراني والمعماري للمدينة المنورة وتعريفهم بالمبادئ الإنسانية والقيم الجمالية وكيفية الاستفادة منها في عمارتنا المعاصرة.

فضلاً عن إصدار الكتب والأبحاث في مجال معالم المدينة المنورة وتراثها المعماري، وتنفيذ سلسلة من المجسمات التوثيقية للكتلة العمرانية بالمدينة المنورة، والعناية بجمع وصيانة القطع المستخدمة في مجال التراث العمراني والمعماري في المدينة المنورة، وعرضها بشكل علمي بهدف إجراء البحوث والدراسات المتخصصة، في حين تهتم الدار بجمع المقتنيات المستخدمة في البيوت التقليدية القديمة في المدينة المنورة، وجمع الصور المتخصصة في مجالات التراث العمراني للمدينة المنورة وتصنيفها وربطها بقاعدة المعلومات الوثائقية للاستفادة منها في مجالات البحث العلمي وخدمة التراث العمراني للمدينة المنورة.

تبدأ الرحلة في المتحف بمعالم السيرة النبوية، وطريق الهجرة النبوية، وكيفية تأسيس المدينة على يد النبي صلى الله عليه وسلم، والمآثر المرتبطة بسيرته الشريفة، ومرحلة تأسيس المسجد النبوي الشريف ومراحل التطور العمراني لها على مدى التاريخ الإسلامي، وبعدها تأخذ الرحلة مسارها بالزائر بين تفاصيل الحجرة النبوية الشريفة، ودور الصحابة الكرام، ثم تستعرض أحداث وتفاصيل واستراتيجية غزوتي أحد والخندق العظيمتين، ومن ثم تعرج الرحلة إلى تاريخ المدينة على مر الزمان وتستعرض معالمها وأسوارها وثقافتها الحضارية والعمرانية حتى اليوم.

ينقسم المتحف إلى ثلاثة قاعات رئيسة، هي قاعة السيرة النبوية، وقاعة التراث العمراني والحضاري، وقاعة المتحف المفتوح (حديقة المتحف).


الأكثر قراءة في دوليات
المزيد من دوليات