الملك عبدالله بن عبدالعزيز في السياسة والدين والثقافة

رضوان السيّد |

منذ العام 2002، يولي الدكتور عبد الرؤوف سنّو المملكة العربية السعودية، تاريخاً وسياسةً واقتصاداً ومجتمعاً وثقافة، اهتماماً ملحوظاً، ويُصدر المقالات والدراسات والمؤلفات حولها. وبعد كتابه الأخير «السعودية ولبنان 1943– 2011: السياسة والاقتصاد»، مجلدان، بيروت، دار الفرات، 2016، أصدر للتو كتابه الجديد عن الدار ذاتها بعنوان: «السعودية في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز» (664 صفحة)، وفيه يؤرخ لمرحلة امتدت بين الأعوام 1996 و2015، حين حكم تارة بالوكالة عن شقيقه الملك فهد خلال مرحلة مرضه حتى رحيله العام 2005، وتارة أخرى كحاكم أصيل حتى الأسابيع الثلاثة الأولى من العام 2015.

يتناول الكتاب في اثني عشر فصلاً وإلى الاستنتاج العام، الإنجازات الكبيرة التي حققها الملك عبدالله لبلده ومصلحة المجتمع والاقتصاد والثقافة والتعليم، وفي دعواته إلى الحوار الوطني السعودي، وإلى الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وبالتالي انفتاح العالم بعضه على بعض. ويبيّن المؤلِّف خطوات الملك المتأنية لتغيير الأفكار والتقاليد السعودية بما يسمح بإيجاز تلاؤمات جديدة، وكيف أنه استطاع أن يحقق نجاحات هنا وتعثّر هناك، سواء على الجبهة الداخلية أو في السياسات الخارجية.

وفي الفصل الثاني، يتناول سنّو ثلاثة موضوعات استراتيجية أَولاها الملك السعودي عنايته القصوى؛ وهي الثقافة، من خلال مهرجان «الجنادرية» السنوي، و «مكتبة الملك عبدالعزيز العامّة» في الرياض؛ ومراكز خدمة اللغة العربية والترجمة والجوائز العلمية. كما سياسة الابتعاث إلى الخارج لحوالى 200 ألف طالب وطالبة سعوديين، فضلاً عن إنشاء الجامعات الحديثة ومراكز الأبحاث. فتمكنت المملكة في عهده من تحقيق قفزات واسعة في مجال الانفتاح على الثقافات والمعارف الأخرى. ويعتقد سنّو، أنَّ برنامج الابتعاث، وإنشاء الجامعات، ورعاية الثقافة، كانت من أهم معالم «الثورة الثقافية- العلمية» في المملكة خلال عهد الملك عبدالله.

وفي فصلين منفصلين (الثالث والرابع)، يكشف الباحث سنّو عن انجازات الملك عبدالله في مجالات التنمية المجتمعية، من محاربة الفقر والبطالة، وبرامج الصحة والإسكان، كما الأوامر والقرارات الملكية ذات الصلة بمجلس الشورى والإدارات المحلية والبلدية وإنشاء «هيئة البيعة»، وتنظيم إصدار الفتاوى. ويخصص الفصل الخامس للحديث عن المطالب الإصلاحية والاستجابات الملكية، ويلقي الضوء بالتفصيل على سياسته في تحسين وضع المرأة السعودية، وحصولها على أدوار اجتماعية وإدارية، وتمثيلها المعتبر في «مجلس الشورى»، وتبوّئها مناصب رفيعة، وإفادتها من سياسة الابتعاث، حيث بلغ نصيب المبتعَثات إلى الخارج نسبة 30 في المئة من مجموع المبتعَثين. ويلقي سنّو الضوء على نساء سعوديات مميزات في حقول علمية وإدارية واجتماعية وثقافية واقتصادية. لكنه يطرح العقبات التي اعترضت طريق العاهل السعودي في تمكين المرأة؛ منها السياسة المجتمعية، والنزعة المحافظة والقوية في بعض الأوساط.

وقد عمل الملك في الوقت ذاته، على دمج الشيعة السعوديين في المجتمع، وإفادتهم من برامج الابتعاث، وتمثيلهم في «مجلس الشورى»، من دون أن يتحقّق له ذلك بالكامل، بسبب الأوضاع المجتمعية، ناهيك عن مساعي إيران لتوريطهم في مشاريعها.

واستكمالاً لمسيرة الإصلاح، خصص الدكتور سنّو الفصلين السابع والثامن للحديث عن سياسة الملك في إنشاء المدن الاقتصادية، والنهوض بالتجارة والصناعة والزراعة، وقطاعات المواصلات والاتصالات والكهرباء والمياه، كما جذب الاستثمارات الخارجية، أو تصدير الاستثمارات السعودية إلى الخارج. ويستدل المؤلف على قوة المملكة الاقتصادية بدخولها «منظمة التجارة العالمية» و «مجموعة العشرين»، وبتقويمات إيجابية لدورها الاقتصادي- المالي من مؤسسات مالية. ورأى أن عائدات النفط الضخمة وارتفاع أسعاره، وتوظيفها في القطاعات الإنتاجية والخدمات، ساعدت العاهل السعودي على الصرف بسخاء على البرامج الإنمائية والاجتماعية، وبالتالي إبعاد «الاضطراب العربي» عن المملكة. ويعتقد سنّو، أن الملك عبدالله، أسوة بملوك السعودية السابقين، أَولى توسعة الحرمين الشريفين وتطوير المشاعر المقدسة عناية خاصة؛ فكان لإنجازاته مردود كبير على سمعته بصفته «خادم الحرمين الشريفين» وعلى دور السعودية في زعامة العالم الإسلامي.

وعلى الصعيد السياسي (الفصلان 9 و10)، ركز الكتاب على أدوار المملكة المختلفة في الدوائر العربية والإقليمية والإسلامية والدولية، وأولى عناية خاصة لعلاقاتها بالولايات المتحدة الأميركية، التي رأى أنها كانت بمثابة «تحالف تحت مظلة التنافر»، كما مواقفها من القضية الفلسطينية ضمن قدراتها المعروفة وتعنّت إسرائيل في الاستجابة لمبادرتيها للسلام عامَي 1981 و2002. كما مواقفها من لبنان في مرحلة إعادة إعماره، مروراً باغتيال الرئيس الحريري العام 2005، حتى العام 2015. ورأى سنّو، أن الملك عبدالله اتخذ موقفاً متشدداً تجاه مساعي إيران للتدخل في الوطن العربي قبل «الربيع العربي» وخلاله، وتحوّلها دولة نووية تشكل تهديداً لجيرانها العرب، وبخاصة الخليجيين. فخرجت المملكة في عهده عن سياستها المعهودة عدم التدخل في الشؤون الخارجية للدول، فأرسل جيشه إلى البحرين العام 2011، وتدخل في الأزمة السورية، كما خليفته الملك سلمان في اليمن، لمنع إيران من تحقيق مشروع «الكماشة» على الوطن العربي «من المتوسط إلى باب المندب».

واعتبر د. سنّو أن الحوار بين أتباع الأديان والثقافات الذي كرس الملك عبدالله سنوات عمره من أجل تحقيقه (الفصل الحادي عشر)، أزال صورة «الإسلام – الإرهاب» نتيجة أحداث العام 2001، بدليل أن العالم أصبح يفصل منذ العام 2014 بين الإسلام ديناً يرفض الإرهاب، وبين من يشوه صورته بأفعاله الإرهابية. ففي ذلك التاريخ، شاركت السعودية ودول عربية في «التحالف الدولي» للقضاء على الإرهاب. ويتناول سنّو، في هذا الفصل، الحوار الثقافي الفاشل بين المثقفين السعوديين والمثقفين الأميركيين عقب أحداث العام 2001، ونجاح الحوار مع أوروبا، الذي تنقل من عاصمة إلى أخرى، برعاية «مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات» في فيينا.

ويختم سنّو كتابه في الفصل الثاني عشر، بالحديث عن الجوائز والأوسمة وشهادات التقدير التي حصل عليها الملك عبدالله من دوائر ثقافية وأكاديمية واقتصادية وإنمائية وإعلامية وإنسانية، كما استطلاعات الرأي، تثميناً لدوره في خدمة الإنسانية والانفتاح على «الآخر» ومساعدته.

وفي تقويم لعهد الملك عبدالله، رأى المؤلِّف سنّو أنّ «الملك عبدالله أسس نهجاً إصلاحياً ريادياً يقوم على التنمية المستدامة، بشموليتها وأبعادها الاستراتيجية، بحيث يجد خلفاؤه الطريق ممهَّداً للقيام بأعمال هائلة في التطوير والتقدير وصنع الجديد والمتقدم.