رباعيات الخيام ... جدلٌ متصل حول ترجماتها

القاهرة – خالد بيومي |

رباعيات الخيام، كانت من أسباب شهرة عمر بن إبراهيم الخيام أو الخيامي (430هـ - 526هـ) الذي عاش في ظل دولة السلاجقة؛ التي تأسَّست في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، وبسطت سلطانها على العراق وإيران ومعظم أجزاء الشام وآسيا الصغرى، في وقت ضعفت الخلافة العباسية. عاصر الخيام فترة دولة السلاجقة منذ مؤسسها طغرل الأول، ثم ألب أرسلان، ثم ملكشاه الذي كلفه بإصلاح مرصده، وعاصر بداية تفككها وانهيارها بعد موت ملكشاه. وتدور الرباعيات حول ثمانية أغراض هي: القضاء والقدر، والوجود، وحال الدنيا، والحياة والموت، والتساؤل والحيرة، والنقد، والخمر، والحكمة، والتوبة.

ويعد العصر السلجوقي من العصور البارزة في تاريخ الأدب الفارسي، وعلى رغم أن السلاجقة كانوا أتراكاً فإن اللغة الرسمية في بلاطهم كانت الفارسية. اهتم السلاجقة بالشعراء وأغدقوا عليهم بسخاء، ومنهم ناصر خسرو الذي تحوي أشعاره أفكاراً فلسفية، وسنائي الذي تعكس مثنوياته تصوفه وزهده. وكان الخيام فلكياً رياضياً اعتمدت شهرته في حياته على إنجازاته العلمية. ويناقش كتاب “رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمات العربية”؛ الصادر حديثاً في القاهرة عن هيئة قصور الثقافة لأستاذ اللغة الفارسية عبدالحفيظ حسن، تطور ترجمات الرباعيات من حيث الصحة والضعف، والأصالة والانتحال. وقد أجمع الباحثون على أن الخيام ألف رباعياته في أوقات متباعدة ترفيهاً لنفسه أو ترويحاً عن طلابه بعد طول الدرس أو تعبيراً عن أفكاره وآلامه. ويرى الباحث أن طبيعة الرباعيات تتيح لصاحبها أن ينشئ شعراً كلما دعته الظروف إلى ذلك، لقصرها وخفة وزنها على اللسان؛ لأن كل رباعية تكون مستقلة عن الأخرى فتكون نكتة أدبية ساخرة، أو حقيقة علمية، أو نقداً اجتماعياً، أو تأملاً فكرياً أو رأياً فلسفياً. وينسب إلى الخيام 1200 رباعية، ظهرت في مخطوطات عدة، تتفاوت حجماً، وفي المعنى والألفاظ وأسلوب التعبير وطريقة التفكير؛ ما يفقدها التجانس اللفظي والتوافق الفكري إلى الحد الذي جعل المحقق الإيراني علي دشتي يقول: «إنه لا يمكن القول إن هذا الكلام وليد قريحة واحدة».

وأحصى المستشرق الروسي جوكوفسكي؛ الرباعيات الجوَّالة للخيام فوصلت إلى 464 اكتشف أن منها 82 رباعية على الأقل منسوبة إلى عدد من الشعراء، منهم ابن أبي الخير، والعسجدي، والعطار، وجلال الدين الرومي، ونصير الدين الطوسي، وحافظ الشيرازي.

وقام المستشرق الدنماركي كريستنسن بجمع 121 رباعية، قال إنها يمكن أن تنسب إلى الخيام، لكنه عدل عن رأيه وقال: «يجب علينا أن نعد رباعيات الخيام نتاجاً للجنس الفارسي بمختلف أنواعه».

ويعد وديع البستاني الرائد الأول في ترجمة الرباعيات إلى العربية شعراً، وقد ظهرت الترجمة في طبعتها الأولى سنة 1912. اعتمد البستاني على ترجمة الإنكليزي فيتزجرالد التي ظهرت عام 1859؛ في ترتيب الرباعيات بحسب تسلسل الأفكار واتساقها حتى جاءت نشيداً واحداً. تأثر فيتزجرالد بالذوق الأوروبي، وأضاف الصور والرسوم الخيالية لشرح الرباعيات، وهي تصور الخيام إما عاكفاً على الخمر متهالكاً، أو متعلقاً بفتاة والِهاً، وفي بعضها صور لفتيات عاريات، فتعطي لمن يطالعها انطباعاً وفكرة مسبقة عن الخيام بأنه رجل خمر ونساء، وهذا يؤثر في فهم القارئ النص.

واعتمد محمد السباعي الذي ظهرت ترجمته عام 1922 على ترجمة فيتزجرالد أيضاً، ووصف زكي مبارك ما فعله بأنه حوَّل ما ترجمه إلى الذوق العربي، لكنه خالَفَ النص الأصلي كثيراً، وخرج عن الأمانة في الترجمة. وتعد ترجمة الشاعر أحمد رامي التي ظهرت عام 1924 نقطة تحول في الترجمة العربية لرباعيات الخيام لأنه نقلها عن الفارسية مباشرة، بعد أن تعلم تلك اللغة خصيصاً لهذا الغرض. وتميز رامي عن سابقيه بترجمة الرباعيات في ترتيبها الفارسي، ولم يمزج بينها ليجعلها أناشيد. ووصفت نعمات أحمد فؤاد ترجمة رامي بقولها: «فيها نفحة من روح الخيام، وظِلٌّ من طول معايشته واهتمامه به، وحبه إياه، ولعل رامي كُلف بالخيام لأن فيه منه أشباهاً، فشاعر الفرس قدري مثله، وطروب مثله، غنائي مثله، فلا غرو أن يتلاقيا عبر الأجيال».

ويخلص الباحث إلى أن الترجمات العراقية كانت أمينة وتتسم بالصدق الفني، فقد حافظت على المعنى وعلى الصورة بالإضافة إلى ما تميَّزت به من دقة الصياغة والشاعرية، وذلك لقربها من البيئة الفارسية والتعامل مع الإيرانيين وبعض المترجمين، أقام في إيران لفترات طويلة مثل أحمد الصافي النجفي.

كما اعتمد طالب الحيدري على الأصل الفارسي للرباعيات، وكان قريباً من المعنى الأصلي في معظمها، وعبدالحق فاضل الذي اعتمد في ترجماته على ست نسخ فارسية، في كل منها من الرباعيات ما ليس في الأخريات، وترجم 377 رباعية.

ويذكر أن رباعيات الخيام ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، وطبعت بطريقة بريل ليقرأها المكفوفون. وجاءت طبعة معجم أكسفورد فتضمنت نحو تسعة وخمسين رباعية كاملة من جملة 188 اقتباسا مأثوراً، وهي نسبة تفوق ما ورد عن الكتاب المقدس وشكسبير. وقيل إن الشاعر العظيم جون كيتس كان يحمل ترجمة الرباعيات خلال سفره. وكان الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن (1809- 1865) يقرأ الرباعيات قبل نومه، وكذلك يفعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.