«وليلي» ... لا أحد ينجو من إدانة فوزي بنسعيدي

من أجواء الفيلم
أمل الجمل |

نجحت نادية كوندا بطلة الفيلم المغربي «وليلي» Volubilis في أن تنال جائزة أفضل ممثلة من مهرجان الجونة السينمائي الأول - الذي أُقيم في ذلك المنتجع السياحي المصري المتفرد المطل على البحر الأحمر - على الرغم المنافسة غير العادية مع بطلات أفلام شديدة الأهمية على المستوى الفني والفكري مثل ناتو مورفانيدز بطلة الجورجي «أم مخيفة» بأدائها المرعب في تلقائيته وصدقه، وأرينا غورباتشيفا بطلة الفيلم الروسي «أرثيميا» على الرغم من صغر دورها مقارنة بدور الزوج الذي قدم أداءً مبهراً بلغة العيون وإيماءات الوجه الشحيحة والبليغة في قوة تأثيرها، أو كلير فوي بطلة «تنفس» البريطاني، أو سيلين ساليت بطلة الفيلم الفرنسي «المؤسسة» بشخصيتها المتمادية في إجرامها والعائدة إلى إنسانيتها بعد صراع عنيف، بنظراتها القادرة على الجمع بين المشاعر المتناقضة ما بين الدفء والبرود، ما بين الحزن وشبح الضعف وقوة الإرادة الحاسمة، ومع كل ذلك استمالت المغربية نادية كوندا كفة لجنة التحكيم لمصلحتها على الرغم من أن الفيلم متوسط القيمة الفنية، وليس في مستوى الأفلام السابقة لمخرجه فوزي بنسعيدي الذي شارك في المهرجان «الكاني» غير مرة واشتهر بأفلام مثل «ألف شهر» و «موت للبيع».

 

دراما تتعرج

يبدأ الفيلم بلقطات يعمها الفرح والبهجة والحب بإضاءة نهارية وينتهى بانكسار وليل كالح السواد في مستهل عام جديد، وما بين المشهدين تتعرج الدراما بين شد وجذب، بين صعود وهبوط، بين الصدق والتلقائية حيناً والافتعال والسذاجة وانخفاض سقف التوقع حيناً آخر. فالبطلان الشابان محور الحواداث هما مليكة الخادمة في البيوت والمتزوجة حديثاً من عبدالقادر عامل الأمن، إلا أنهما لا يجدان مكاناً يرويان فيه عطش الحب، فتارة ينامان في غرفة المعيشة عند أهل الزوج غير قادرين على ممارسة العلاقة الحميمة بسبب وجود الإخوة الصغار في الغرفة ذاتها، وتارة تنام هي بمفردها عند والدتها. وسرعان ما تتعقد الأمور وتنهش في اللحم الحي لهذا الحب بعد مرورهما بسلسلة من الضغوط والضغوط المضادة التي يتولد منها غضب عامل الأمن عندما يتعرض لسيدة من علية القوم فينال عقابه المادي والمعنوي، ولاحقاً يواصل مقداراً من المقاومة السلبية، إلا أنه لا يحصد سوى تدهور مدمر يُؤكد انسداد الأفق بالكامل أمامه، ولا تفلح جهود زوجته بأن تنقذه.

يبدو جلياً من الحوادث أن الهم الاجتماعي الذي يُؤرق فوزي بنسعيدي هنا هو الفوارق الطبقية التي أخذت تتباين مع اتساع الهوة بين الطبقة الدنيا المطحونة وبين الأثرياء ذوي النفوذ والسطوة في ظل عولمة رأس المال المتوحش. لكن الفيلم لا يتوقف فقط عند الفوارق الطبقية، لكنه يربطها برغبات التملك لدى الطرفين، والتشبث بالسلطة أو التمسح بأذيالها حتى من قِبل ذلك العامل المهمش عبدالقادر - والمتشدد دينياً إلى حد ما - والذي يقع في شغف السلطة، وهو ما يتضح عبر ولعه وهوسه بزيه الرسمي أثناء العمل - البدلة الأميركية، وهو ما يذكرنا بالمثل المصري: «إن لم تلحق بالميري فاتمرغ في ترابه». فالميري هو رمز السلطة، وهنا نرى ذلك الشاب موظف الأمن وهو يعمل في مركز تجاري يوفر له راتباً، لكنه في الوقت ذاته يسلب منه الكرامة، وحتى هذا الراتب لا يضمن له حياة جيدة فهو لم يستطع أن يجد سكناً مستقلاً يجمعه بزوجته، ومع ذلك هو متمسك بها، ولديه استعداد لضرب أبناء طبقته المطحونة وإلقائهم في الشارع من أجل الحفاظ على وظيفته وممارسة دوره السلطوي الدنيوي، حتى إن هوسه بالبدلة يكاد يتفوق على حبه لزوجته الشابة الجميلة، وبسببه غابت ابتسامته عن صورة الفرح، ففي تصوره الذهني أن الابتسام يقلل من هيبة أصحاب السلطة المتعلق بأهدابها.

 

حضور المهمشين

هنا، على الرغم من نفوذ مراكز القوى وتأثيرها المدمر في حياة البطلين، إلا أن الحضور هو الأقوى والمكثف على الشاشة للطبقة الدنيا، صحيح أنه حضور مُهدد في ظل عالم يفقد إنسانيته، وتحت وطأة وضع سياسي اقتصادي واجتماعي متدنٍّ يقضي على العلاقات الحميمة، إلا أنه يقتل الحب، أو يجعله ينتحر. وصحيح أن عوالم رجال السياسة والنفوذ بكل ما فيها من افتقاد القيم الأخلاقية والاجتماعية تمتلك إمكانات واحتمالات أوسع للدراما وللنقد، إلا أن بنسعيدي همش عالم الأثرياء وجعله مقصوراً على لقطات يمارسون فيها الضرب والإهانة والسهر وملامح عابرة للخيانة والحب الفاسد والعلاقات المتفسخة، غير الواضحة، حتى وإن كان بعضها غير مقنع لكن بعضها الآخر على هامشيته بدا مرسوماً بسينمائية بليغة.

اختار المخرج أن يهمش عالم الأثرياء على الرغم من سطوته، وأن يجعل في مركز الدراما وبؤرة الاهتمام، أبطاله المطحونين حتى أننا نعرف تاريخهم وعوائلهم ومشكلاتهم، ونشم رائحة عرقهم وتفاصيل خيباتهم، وهو لم يكتف بمنحهم الأسماء القوية التي يرددها على مسامعنا كثيراً، بل يمنحهم كثافة الحضور والاقتراب بعدسته كثيراً من ملامحهم، بينما جعل الكبار مجهولي الهوية، أو مَنْ ذكر أسماءهم، جاء ذلك في شكل عابر، على استحياء، وعلى الرغم من وجودهم ذي الأثر الواضح على المجتمع، خصوصاً الأبطال المهمشين، إلا أن أسماءهم وهوياتهم لا تجعلنا نتعاطف معهم أو نلتمس لهم أي عذر.

على الرغم مما سبق، إلا أن المخرج وهو كاتب السيناريو ذاته، لم يجعلنا نتعاطف في شكل كامل مع هؤلاء المطحونين فقد دانهم هم أيضاً، فعبدالقادر بحماقته وتطرفه الفكري وسذاجته، يساهم في انغلاق الأفق تماماً، وزوجته الشابة تتوق إلى تذوق حياة سيدتها فتجرب ملابسها خلسة وترتشف جرعات من الخمر المتبقي في كأسها، وصديق البطل في لحظة معينة نراه كأنه يشتهي زوجة صديقه، وهو بعد أن اعتدى بصحبة عبدالقادر على فتاة الليل بصحبة زبونها، استولى على هاتفها ليبتزها بالصور الخاصة والحميمية على الهاتف كي تقبل أن تُقيم معه علاقة. كذلك لا تنجو العائلة الفقيرة نفسها من الإدانة فوالد الزوج سكير، ووالدته تضطر للتسول إلى جانب أطفالها.

أما أكثر المشاهد سينمائية فتلك اللقطات الليلية التي نراها بعيني عبدالقادر وهو يراقب فيلا الزوجين من أصحاب مراكز القوى، وهي فيلا ذات واجهات زجاجية تكشف لنا من بعد ومن دون أي كلمة طبيعة تلك العلاقة الباردة بينهما والبالغة حد الخصام، لكنهما فقط يستمران أمام المجتمع لأسباب لا نعلمها، بينما المرأة تجالس رجلاً آخر وتترك نفسها له ليقتنص بعض القبل. هنا، تبدو اللقطات الصامتة مشاهد سينمائية بامتياز، لكن محاولات المخرج خلق سبب درامي أو الوصول إلى نتيجة بعينها، إلى جانب غياب المنطق والصدق أو التعسف في بناء بعض اللقطات لغرض الوصول بها إلى نتيجة معينة محددة، بدت أسوأ ما في الفيلم: فمثلاً عدم قدرة الزوجين الشابين على ممارسة حقهما وحياتهما أمر غير مصدق، خصوصاً بعد أن تم الزفاف، إذ كان حتى في مقدور غير المتزوجين وعلى الرغم من صعوبة الحياة في هذا المستوى الاجتماعي، تصريف أمورهم وإيجاد مكان لقضاء حاجتهم الطبيعية، فما بالنا باثنين قد تزوجا بموافقة الأهل ومباركتهم؟ كذلك مشهد ارتداء الثوب الجميل القصير الذي تعرضت بسببه مليكة للمعاكسة أثناء السير، والذي جعل زوجها يصفها بأنها ترتدي ثوب العاهرات. ثم مشهد الختام حين تلكأ الزوج في سرقة الملفات من فيلا السياسي الكبير واستولى على فستان من أحد الدواليب وأخذ يستعرضه على جسمه مطولاً ثم يرسل رسالة نصية على الموبايل إلى حبيبة التي تتابعه عبر الزجاج خارج الفيلا، وهو مشهد يضرب على سقف توقعات المشاهد فجميعنا كان يُدرك أن كل هذا التأخير لغرض درامي مفتعل وأن عبدالقادر سينال حصته من الضرب المبرح أو القبض عليه. هنا، بدت تلك المشاهد مشوشة، بعيدة من الإحساس الصادق، فكان من العسير التجاوب معها عاطفياً وعقلانياً نتيجة الافتعال وسذاجة الطرح.