حرب قوانين بين واشنطن وموسكو ضحيتها «ميديا» البلدين

محمد خلف |

استعرت حرب القوانين والقــوانين الــمضـادة بين الولايات المتحدة وروسيا، مع إدراج موسكو 9 وسائل إعلام أميركية في لائحة «العملاء الأجانب»، وهم: إذاعة «صوت أميركا» و «راديو سفوبودا» وقناة «ناستوياشي فريميا- الوقت الراهن» و «إيديل رياليي» و «قوقاز رياليي» و «القرم رياليي» ومكاتب «راديو سفوبودا» في جمهورية تترستان وبشكورتوستان وإذاعة «أوروبا الحرة» و «سيبيريا رياليي» و «فاكتوغراف».

ويأتي هذا القرار بعد تمرير مجلس الشيوخ الروسي لمشروع قانون أقره «الدوما» (مجلس النواب) قبل تحويله إلى الرئيس بوتين، رداً على قيام واشنطن بإجبار شبكة «آر.تي» الإعلامية التي تمولها الحكومة الروسية والمعروفة باسم «روسيا اليوم» ومجلة «سبوتنيك»، على التسجيل وكيلاً أجنبياً في الولايات المتحدة.

وتعاطت المؤسسة الروسية إيجاباً مع الطلب الأميركي، وأعلنت في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي تسجيلها وفقاً لقانون تسجيل الوكلاء الأجانب الذي صدر عام 1938، بهدف التصدي للدعاية النازية على الأراضي الأميركية، وطبّق القانون على المشاركين في نشاطات أجنبية لدولة أجنبية.

ويتعين على هذه الوسائل الإعلامية الممولة رسمياً من الدولة الأميركية إبراز العلامة التجارية على جميع المحتويات التي تعتزم بثها في روسيا، وأن تشير إلى أن المعلومات التي تنشرها مدفوع ثمنها من دولة أجنبية، وهو ما يعني قانونياً أنها تخدم مصالح حكومية أجنبية.

وبدأت الحرب بين الجانبين باتهام واشنطن شبكة «آر.تي» بالتأثير في الانتخابات الأميركية العام الماضي. وفي تعقيبه على القانون، قال نائب رئيس البرلمان الروسي بيوتر تولستوي: «اضطررنا إلى اتخاذ هذه الخطوة، ولم يرد أي منا في بلادنا اتخاذ ذلك القرار»، مؤكداً أنه «لن يؤثر في حرية التعبير في بلدنا بأي صورة من الصور». وقال رئيس لجنة الميديا في البرلمان الروسي ليونيد ليفين إن «بنود هذا القانون ستطبق على وسائل إعلام أخرى من دولة أجنبية في حال قيامها بنشاطات معادية لروسيا». إلا أن خبراء الميديا أشاروا إلى أن وزارة العدل ستقرر من الآن فصاعداً صيغة القيود والشروط لعمل وسائل الإعلام الأجنبية في روسيا».

 

انتقادات أوروبية

سارع الاتحاد الاوروبي إلى توجيه انتقادات لاذعة للقانون الروسي، واعتبر بيان للدائرة الدبلوماسية للاتحاد نشرته وكالة «فرانس برس» أن «القانون يتعارض مع التزامات روسيا في حماية حقوق الإنسان»، وأضافت أن «هذا تهديد جديد لحرية واستقلالية وسائل الميديا وحق الوصول إلى المعلومات، كما وأنه ايضاً محاولة جديدة لتضييق فضاء الأصوات المستقلة في روسيا». واعتبرت منظمتا «هيومن رايتس ووتش» و «أمنستي إنترناشونال» أن إجبار مؤسسات الميديا على تقديم تقارير عن أوضاعها المالية، وتسجيل محتوياتها الإعلامية بصفتها «عميلة أجنبية» انتهاك صارخ للحريات الإعلامية».

ووفقاً للقانون الروسي الصادر عام 2012، فإن هذه المستلزمات والمتطلبات كانت تسري فقط على المنظمات غير الحكومية، لكنها الآن تشمل أيضاً مؤسسات الميديا ومن يخالف منها هذه الشروط يتعرض لعقوبات صارمة»، من بينها دفع غرامة قدرها بين 10 و500 ألف روبل روسي، أو تعطيل عملها واغلاقها لفترة تصل إلى 6 أشهر وحتى صدور عقوبات جزائية ضدها تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات.

ويقول حقوقيون روس إن التعديل الجديد في قانون 2012 المشار إليه يتضمن مصطلح «الهيكل»، ما يعني أن في الدول المختلفة يوجد قانون للشركات يختلف عن القانون الروسي، وبالتالي، فإن وسائل الإعلام يمكن أن تكون مسجلة في شكل آخر مختلف. إلا أن مثل هذه الصياغة تتيح فرضه على جمعيات المجتمع المدني أو مجموعة من المدونين أو منظمات وحركات غير رسمية.

ووفق خبير الميديا وحق الوصول إلى المعلومات هاشميوف، فإن المعيار الذي سيستخدم لوصف «العميل الأجنبي» هو التمويل من دولة أجنبية او هيئة حكومية خارجية، وكذلك منظمات أجنبية أو دولية أو مواطنين أجانب أو أشخاص من جنسية روسية مكلفين من أجانب، أو مواطنين أجانب يتلقون تمويلات مالية من الخارج».

وينبه خبراء حقوقيون إلى أن تسلم الأموال من الخارج سيخضع إلى تفسير متعدد ومختلف، إذ يمكن أن تكون هذه الأموال في شكل تبرعات أو استثمارات أو دفعات مالية من شركاء ومساهمين، وربما أيضاً إعلانات أو مبيعات خدمات، وبالتحديد هذا الغموض في القانون أجبر عدد كبير من المنظمات الروسية غير الحكومية على رفض حتى الحد الأدنى من التمويلات من الخارج. ووفقاً لبيانات منظمة «أمنستي إنترناشونال»، فإن 27 منظمة غير حكومية من أصل 148 مسجلة كعميل أجنبي أوقفت نشاطاتها وأغلقت أبوابها تخوّفاً من الوقوع تحت طائلة القانون.

 

غموض وارتباك ومخاوف

يثير عدم الوضوح في القانــــون المعدل الكثير من الأسئــلة حول كيفية تطبــيقه من قبل وزارة العدل الروسية.

وتساءل خبراء الميديا والحقوقيون الروس عما إذا كان على قناة «آر.تي» الروسية هي الأخرى التسجيل كعميل أجنـــبي ما دامت ترتبـــط بها شركات وهيئات في الخارج وتعمل خارج روسيا؟ هذه القــناة الروســية مــثل أي مدون روسي.

وعلى سبيل المثال، المدوّن المعارض أليكسي نافالني الذي يتسلم في شكل من الأشكال نوعاً من التمويل من الإعلانات على مدونته على موقع «You Tube» فهل سيعتبر بثه «فيديو» مبرراً كافياً لوضعه في خانة «العميل الأجنبي».

حتى الآن، كانت روسيا تعتمد لتسجيل المراسلين الأجانب للصحف ووكالات الأنباء وقنوات التلفزة العالمية وغيرها من وسائل الميديا، نظاماً يكاد يكون مماثلاً للأنظمة الخاصة بتسجيل المراسلين الأجانب وتحديد وضعهم الوظيفي في جميع دول العالم، وينص على قبول اعتماد المراسل بعد تقديمه رسالة رسمية موجهة من الميديا التي اختارته ليعمل مراسلاً لها في روسيا إلى وزارة الخارجية.

أما الآن فقد وضعت إجراءات جديدة غير واضحة سيتم بموجبها تسجيل المراسلين الأجانب بوزارة العدل.

وبمقتضى القانون سيكون بإمكان الوزارة معاقبة المراسلين مخالفي التعلـيمات بصـفــتهم «عملاء أجانب».

 

قانون «FARA» الأميركي

بغض النظر عن الاسم المخادع لهذا القانون الذي لا يستهدف جواسيس دولة أجنبية بل أشخاصاً ومنظمات مكلفة، مقابل الحصول على تمويلات مالية من دولة أجنبية بالعمل على التأثير على توجهات الرأي العام في الولايات المتحدة. وبحسب بنود القانون فإن هذه الهيئات أو الأشخاص أو المنظمات التي تسعى للترويج لمصالح دول أجنبية يجب أن تقوم بالتسجيل كعميل أجنبي، وفي حال رفضها لذلك تهددها أحكام بالسجن تصل إلى خمس سنوات، وغرامة 10 آلاف دولار.

واعتمدت واشنطن القانون في الفترة قبل الحرب العالمية الثانية بهدف وقف الدعاية النازية التي كانت ماكنة غوبلز الدعائية في أوج نشاطاها في محاولة للتأثير على سياقات المزاج الاجتماعي الأميركي. ويلزم «فارا» وسائل الميديا الأجنبية المسجلة رسمياً بأن ترفق موادها الصحافية بعبارة «ممولة من هيئات من خارج البلاد أو أشخاص أجانب». ولاحظ مراقبون أن القانون نادراً ما تم استخدامه خلال السنوات الأخيرة، لكن بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً للبلاد تردد ذكره ارتباطاً بعدد من مستشاريه ومساعديه في البيت الأبيض الذين تورطوا بإقامة روابط سرّية مع روسيا، وتم إقصاء اثنين منهما من مناصبهم، وهما مدير الحملة الانتخابية بول مانافورت ومستشاره للأمن القومي مايكل فلين.

ويبلغ عدد المسجلين في الولايات المتحدة الآن بصفة «عميل أجنبي» 1700 منظمة وشخص، يتمتعون جميعهم بحق القيام بمهامهم وأعمالهم من دون أي قيود، فمثلاً تواصل الصحيفة الصينية الممولة من الحكومة «جاينا ديلي» الصدور من دون أي عوائق في الولايات المتحدة. والقانون لا يقتصر على الترويج السياسي، بل يشمل الدعاية بمعناها الواسع، ونشر المعلومات ذات الأهداف التجارية والثقافية والعلمية والدينية، وأيضاً جمع التبرعات.

 

موسكو والاقتداء بواشنطن

في عام 2012، عندما أصدرت روسيا قانون «العملاء الأجانب»، قال الرئيس فلاديمير بوتين إن «موسكو تقتدي بواشنطن» ، إلا أن برأي المعلق الألماني في وكالة «دويتشه فيله» كارستن فون نامن، أنه «عند التمعّن بانتباه في القانونين نكتشف بأنهما مختلفان تماماً. في الولايات المتحدة يدخل في لائحة العملاء الأجانب فقط الأشخاص الذين يتبعون حكومات أجنبية أو منظمات خارجية»، فيما في روسيا فبمجرد حصولك على وضع «العميل الأجنبي» يتم اعتبارك في إطار القانون «عميلاً». وأضاف: «عدا ذلك في الولايات المتحدة أي عمل أو نشاط تتحمل مسؤوليته وزارة العدل». أما في روسيا يتساوى الوكيل أو العميل الأجنبي مع «العدو» ما يؤدي على الفور إلى قيام المؤسسات الحكومية والمجالس البلدية بقطع علاقاتها وروابطها مع الهيئات والمنظمات غير الحكومية والأشخاص الذين تنطبق عليهم التسمية.

في عام 2015، عمدت السلطات الروسية إلى إضافة مصطلح جديد إلى «العميل الأجنبي»، وهو «منظمة غير مرغوب بها»، وتشمل المنظمات الروسية والأجنبية التي تعتبر «خطراً على أسس النظام الدستوري للفيديرالية، والقدرات الدفاعية والأمنية للدولة». ويؤكد فون نامن أن «هذه الصياغة مبهمة وغير واضحة».

وينبغي الإشارة إلى أنه بمقتضى بنود القانون الروسي لا يحق للمنظمات المعنية بهذه الصفة القيام بأي نشاطات في روسيا، إذ تُغلق مكاتبها بالشمع الأحمر. ووفقاً لبيانات «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة «المجتمع المفتوح»، فإنه «حتى الآن تم إغلاق عدد كبير من المنظمات الأميركية والبريطانية بعد اعتبارها غير مرغوب بها».