اللبنانيّة نسرين غدّار أرست ديبلوماً في التقنيات الخضراء

أحمد مغربي |

ينحدر الممشى الطويل بتمهّل من مدخل الجامعة الأميركيّة في بيروت إلى مكتبها في مبنى الهندسة، محاطاً بأشجار ونباتات وأعشاب تستدعي صوراً إيجابيّة عن البيئة. تتزاحم في الذهن أسئلة يدعمها ضوء الشمس، وهو مصدر للطاقة تهتم به نسرين غدّار البروفسورة اللبنانيّة الكويتية المولد والنشأة. وفي سيرتها المنشورة على الموقع الشبكي للجامعة، يرد أنّها مختصة في علوم كثيرة مترابطة (خصوصاً الهندسة الميكانيكيّة) تشمل نوعاً غير تقليديّ من انتقال الطاقة، يسمّى «ريزونانت هيت» (Resonant Heat). ووفق إحدى الموسوعات، يتضمن انتقال الحرارة بتلك الطريقة إمكان أن تسير من جسم أقل حرارة إلى آخر أكثر منه دفئاً، على عكس الانتقال التقليدي للحرارة من الأسخن إلى الأبرد! «هل يمكن للثلج أن يغلي إبريق قهوة»؟ واستطراداً، يرتسم سؤال أيضاً عن علاقة ذلك بأنها عملت بدأب تأسيسي كي ترسي منهاجاً دراسيّاً في التقنيّات الخضراء. ويقدّم منهاج الديبلوم كليّاً عبر الإنترنت، ويتم بالتنسيق بين ثلاث جامعات هي «الأميركيّة في بيروت» و «اللبنانيّة الأميركيّة» و «الجامعة الأميركيّة في القاهرة».

وتتحدّث غدّار عن ذلك الديبلوم بفرح غامر يليق بمن يتحدث عن وليده. «في البداية، لم أتوقع ذلك النجاح. طرحت الفكرة في بيروت أولاً، ثم أبدت جامعات اخرى اهتمامها بها. يحتاج العالم العربي إلى تراكم معرفي في التقنيات التي تخفض استهلاك الطاقة التقليدية، وتركز على الطاقة النظيفة المستدامة. ويرتبط ذلك أيضاً بهندسة المباني وطرق حصولها على التبريد والحرارة. وأعطت الإنترنت الأداة المناسبة لذلك الديبلوم الذي تقدّم مقرّراته كلها عبر الفضاء الافتراضي. لا يحتاج الأمر سوى حيازة بكالوريوس في فرع علمي متّصل بالهندسة والمباني، كالرياضيات والهندسة والعلوم الطبيعية والهندسة المعماريّة. ويضم المنهاج 18 مساراً، لا تزيد تكلفة كل منها على 300 دولار. وجرى الحرص أيضاً على المرونة، لأن من المستطاع إتمام الديبلوم في 12- 18 شهراً، لكن إيقاع الدراسة وزمنها يعتمدان بمرونة على خيارات الدارس».

ماذا عن المختبر؟ «استطعنا إنشاء مختبر افتراضي كليّاً، بالاستعانة بتقنيّات عالميّة، على غرار تلك المعتمدة في «معهد ماساشوستس للتقنية»... بخصوص سؤالك عن المناهج المفتوحة التي يضعها المعهد على الإنترنت بصورة مجانيّة ومفتوحة المصدر («أوبن سورس»/ Open Source)، أعتقد أنّه تجربة قابلة للنقاش. هل يحاولون تعميم نمط معين من الدراسات أم أنهم يكتفون بتقديم ما لديهم مع الاستمرار في التفاعل مع من يدرسون مناهجهم عبر الإنترنت؟».

 

برد بوسطن ودفء الكويت

بدا بديهيّاً أن يقود الحديث عن «معهد ماساشوستس للتقنية» إلى ذكريات خاصة عند غدّار، إذ نالت منه شهادتي الماجستير والدكتوراه في الهندسة الميكانيكيّة. ولم يفصل الشهادتين سوى 3 سنوات، وهي مدّة قياسيّة في تحضير شهادة دكتوراه علميّة في تلك المؤسّسة التي تعتبر من الأكثر تقدّماً عالميّاً. والأرجح أن عام 1985 كان محوريّاً في حياتها، لأنها عادت من «ماساشوستس» إلى الكويت، فتزوجت في خريف العام نفسه. ويجدر القول أنّها ولدت في الكويت من عائلة لبنانيّة كانت الحروب المتوالية في لبنان تحول دون تكرار زياراتها لبلدها. ونالت غدّار شهادة البكالوريوس في الكيمياء. وعندما نالت منحة دراسيّة لـ «ماشاشوستس»، أوضح لها والدها أنه لن يقف حاجزاً أمام تقدّمها في العلم. «كان أبي منفتحاً في تفكيره بالنسبة إلى التعليم. كنّا ثماني شقيقات وأخاً واحداً. وتربيّنا في الكويت بصورة تقليدية، مع ملاحظة أنّ أبي أصرّ على ألا يزوج بناته قبل أن ينلن شهادة جامعيّة... في «ماساشوستس»، لم أجد أن التربية العربية التقليدية تقف حاجزاً دون التفاعل مع المجتمع الأكاديمي الأميركي، ولا حتى مع المجتمع بعمومه. هناك تقدير لكل جهد يبذله الفرد ضمن مجتمع يؤمن بأهمية العمل والكفاءة.

وعلى العكس، ساعدتني تربيتي المحافِظة كثيراً، بل نسجت صداقات في «ماسوشتس» كانت أفضل من علاقات كثيرة في حياتي لاحقاً. ربما الشيء الوحيد الذي لم تساعدني نشأتي في دفء الكويت عليه، هو برد بوسطن الثلجي القارس»!

في نقاط كثيرة من الحديث معها، يرد في الذهن أن ما تملكه من شهادات وبحوث ما بعد الدكتوراه، والمساهمات التعليمية الأكاديميّة، يكفي أن يملأ صفحات بأكملها. واستطراداً، تبدو الكتابة عنها محكومة بأن تكون مجرد ومضات على مساحات ومحطات في مسارها الشخصي والعلمي. وعندما تتحدث عن رأيها في طريقة تمكين المرأة العربيّة في العلم وداخل المؤسّسات الأكاديميّة والبحثية العربيّة، تشدّد على ضرورة أن تنهض النساء العربيات بأنفسهن بتلك المهمة، ويرفعن حضورهن في تلك المؤسّسات. «أعتقد أنّ مسألة حضور النساء حاسمة. عندما تُتّخَذْ قرارات دعم البحوث، إذا كان كل من يقرّون ذكوراً فسيميلون بديهيّاً إلى تفضيل من يشبههم. يجب أن نحضر. واعتقد أنّ هذه المسألة موجودة حتى عالميّاً. في شركات مثل «غوغل» و «آبل» و «مايكروسوفت»، ربما لا تزيد نسبة المرأة في البحوث والإدارة العليا عن عشرين في المئة». ويتشابه رأيها تماماً مع الأميركيّة شيريل ساندبرغ التي عملت في قلب شركات المعلوماتيّة الكبرى، ووضعت كتاباً يكفي عنوانه دليلاً إلى موضوعه ومدى تقاطعه مع رأي غدّار: «أقحمي رأسَكِ: النساء، العمل وإرادة القيادة» (Lean in: Women, Work & the Will to Lead).

 

في قائمة «أبرز عشرين امرأة مؤثّرة علميّاً»

 

ضمن قائمة طويلة من التكريمات العلمية العربيّة والعالميّة، سُمّيَت البروفسورة نسرين غدّار لعضوية «أكاديمية العلوم في العالم الإسلامي»، وانتُخِبَت إلى «الأكاديمية اللبنانيّة للعلوم»، وأُدْرِجَت ضمن قائمة «أبرز عشرين امرأة مؤثرة في العلوم في البلدان الإسلاميّة» (2014). وحظيت بحوثها ما بعد الدكتوراه، دائماً، بمِنَحٍ من جهات أميركية وأوروبيّة وعربيّة شتى. وتقلّدت غدّار ما يصعب إحصاؤه من المناصب التعليمية الأكاديمية في جامعات لبنان وقطر والكويت. ولم يكن الديبلوم في التقنيات الخضر سوى نموذج عن برامج كثيرة أدخلتها في المؤسسات الأكاديمية في البلدان العربيّة، وتتمحور حول الطاقة والماء.

ولفتت إلى أنّ البلدان العربيّة تواجه وضعاً شائكاً تتشابك فيه معطيات الزيادة الديموغرافيّة المتصاعدة، والأوضاع المناخيّة القاسيّة التي يزيدها التغيّير المناخي اضطراباً، وضآلة مزمنة في المياه. واستطراداً، تفرض تلك التشابكات إيلاء أهمية قصوى للبيئة، خصوصاً الطاقة.

 

التكاليف وضغوط الديموغرافيا

في السياق، تؤدّي المباني دوراً حاسماً، خصوصاً الطاقة المستخدمة في التدفئة والتبريد فيها، باعتبارها من المساحات الرئيسة لاستهلاك الكهرباء. ألم ينتبه المهندس المصري الراحل حسن فتحي الذي عمل طويلاً في بلدان الخليج العربي، إلى المسألة عينها، وطالب بربط المباني بالبيئة، بل وضع تصاميم في الهندسة المعماريّة تستند إلى ذلك المفهوم؟

«أوافق على رأي فتحي في منطلقاته، لكن حلوله تستند إلى العائلة الصغيرة، وهي مكلفة تماماً، خصوصاً إذا طُبّقت بتوسّع على المباني والعمارات السكنيّة. تمحورت بحوثي المتقدّمة حول انتقال الطاقة، مع تركيز على التدفئة والتبريد لكل فرد في المبنى. وإضافة إلى علاقة الحرارة مع الهواء والماء، درست بدقة دور الملابس والأنسجة والثياب الذكيّة أيضاً. وركّزت على فكرة إيصال الدفء والبرودة التي يطلبها الفرد في موقع وجوده في المباني، بدلاً من التركيز حصرياً على تكييف المباني ككل. مثلاً، عند استخراج الرطوبة من الهواء، يصبح التحكم به سهلاً، بمعنى انخفاض كمية الطاقة اللازمة لتدفئته وتبريده، وكذلك الحال بالنسبة إلى سرعته، لأنه يدور بسهولة أكثر مما لو كان محمّلاً بماء الرطوبة. وباستخدام الطاقة الآتية من ضوء الشمس حتى في الشتاء، تكون مستطاعةً الاستفادة من الرطوبة المستخرجة من الهواء. أجريت وشاركت في بحوث متنوّعة عن تلك الأمور، التي من البديهي أن تكون الكيمياء والهندسة الميكانيكيّة محورها، وتلك مجالات اختصاصي».