سلامة لـ «الحياة»: أولويتنا الانتخابات في ليبيا ونواجه صعوبة في تسجيل الناخبين

تدريب موظفي المفوضية العليا للانتخابات
باريس - رندة تقي الدين |

واجه مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة منذ تعيينه مساراً صعباً مليئاً بالتعرجات والمطبات السياسية، جعله ينسحب تكتيكياً إلى مقرّه الموقت في تونس بعد فشل حوار عقده هناك في تحقيق تقارب مرجو واتفاق بين سلطات الشرق والغرب، إلا أنه يستعد اليوم بعد عمله على جمع كلمة القادة الليبيين، على ضرورة إجراء الانتخابات للعودة مع فريقه إلى مقر البعثة الدائم في ليبيا مطلع العام الجديد.

وقال سلامة في حديث إلى «الحياة»، إنه أجرى منذ وصوله ليبيا في آب (أغسطس) الماضي، 12 إلى 13 مصالحة محلية، وبدأ عملية بالغة الصعوبة، تتمثل بتسجيل الناخبين للانتخابات المقبلة والتواصل مع الحركات المسلحة لمناقشة قضية عودتها إلى الحياة المدنية. وقال إنه مستمر في محاولة جمع الليبيين داخل ليبيا المنقسمة بين شرق وغرب، وفي ما يلي تفاصيل الحديث:

رأى مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا أن هناك بين الليبيين وغير الليبيين أيضاً، مَن يعتقد أن بداية العمل في سبيل إجراء الانتخابات هي «إجراء الانتخابات». إلا أن ذلك يتطلب عملاً شاقاً جداً في ليبيا، إذ إن هناك 4 ملايين ونصف مليون ليبي بلغوا سن 18، أي سن التصويت، وفقط مليون ونصف المليون منهم مسجلون، أي الثلث، فهل يمكن أن تتم انتخابات ذات صدقية مع ثلث من الليبيين يختار نيابةً عن الثلثين الآخرَين؟ وإذا كان الأمر يبدو صعباً للغاية، فذلك سببه أن معظم السياسيين لا يريدون انتخابات، مع أن موعد الاستحقاقات البلدية والرئاسية والنيابية حان في 2018 كما أن قرار مجلس الأمن واضح بالنسبة إلى ضرورة إجراء الانتخابات. وبدأنا في 6 كانون الأول (ديسمبر) عملية تسجيل الناخبين بصعوبة بالغة لم أتوقعها، ونأمل بأن نضيف على الأقل مليون ليبي جديد، كي يكون نصف الناخبين تقريباً مسجلين، لأننا نريد انتخابات ذات صدقية وبمستوى مشاركة أكبر من المرة السابقة، التي لم تتجاوز النسبة فيها 17 في المئة، وبالتالي لم تكن ذات صدقية كافية. هناك نواب انتُخِبوا بـ200 إلى 300 صوت، وهذا غير طبيعي.

ويجب تثبيت دعائم الشرعية الدائمة في ليبيا، وبالتالي إجراء انتخابات بأكبر مصداقية ممكنة. وشرعنا في العمل ضمن ظروف فائقة الصعوبة، وخصوصاً أن المفوضية العامة للانتخابات لم تُخصَّص رواتب لموظفيها، فتوجب جمع الأموال من الخارج لكي نؤمّن للمفوضية كل التقنيات الحديثة، من هواتف وأجهزة الحاسوب لعملية التسجيل التي انطلقت في 6 كانون الأول (ديسمبر) الماضي.

وستستمر هذه العملية مدة شهرين ثم نخصص شهراً إضافياً للّيبيين في الخارج، إذ يوجد مليون ليبي تقريباً في الخارج، لاسيما في مصر وتونس، بحيث ننتقل من مليون ونصف المليون إذا أمكن، إلى مليونين ونصف المليون أو حتى 3 ملايين ناخب، وحينها يصبح الوضع جيداً.

وكان علينا إقناع الحكومة بدفع رواتب موظفي المفوضية، وبدأت بجمع المال من الخارج لتأمين التجهيزات اللازمة، وإن كانت عملية لا تلقى ترحيباً واسعاً بين السياسيين الذين لا يريدون إجراءها، بل يريدون أن تبقى الأمور على ما هي. وبتُّ أُجيب على مَن يسألني متى يُحدَد موعد الانتخابات بالقول إن ذلك سيكون حين تكتمل الشروط إلى حد ما، بينما يبقى الشرط التقني هو أن يكون هناك عدد كاف من الناخبين المسجلين.

أما أبرز الشروط الأخرى، فهي أن تكون الظروف الأمنية مناسِبة، إذ لن نتمكن من الآن وحتى موعد إجراء الانتخابات العام المقبل أن ننتهي من عملية طويلة الأمد لنزع سلاح الميليشيات، لكن يجب أن يكون الوضع الأمني مقبولاً إلى حد ما. كما أن هناك حاجة لشروط اشتراعية، بمعنى أن هناك حاجة لقانون انتخاب، إذ حصلت انتخابات في مناسبتين سابقتين (2012 و2014) بقانونين مختلفين، فأي قانون مطلوب لـ 2018؟ هل هو 2012 أو 2014 أو قانون ثالث جديد؟ الأهم هو توافر الشروط السياسية، بمعنى أنه ضروري جداً ألا نقْدِم على هذه الانتخابات من دون أن يتعهد القادة الليبيون الأساسيون القبول بنتيجتها قبل إجرائها، لأنه في المرة السابقة أجريت انتخابات، وهناك مَن لم يقبل النتائج ودخلنا في مشكلة المجلسين. الآن لا أحد يريد مجلساً ثالثاً ولا حكومة رابعة، بل مجلساً نيابياً واحداً وشرعياً، وذلك يتطلب شروطاً سياسية، لذلك بدأنا عملية متعددة الأبعاد، تقنية واشتراعية وسياسية وأمنية للتوصل إلى أفضل الظروف، علماً أنه ليست هناك «ظروف مثالية» في أي بلد، لكن يجب تأميــن أفضل الظروف لتكون النتيجة ذات صدقية. وهذا من أصعب الأمور، لأن البلـــد مساحته 3 مرات مساحة فرنسا، وهو قارة كاملة، المجتمع فيه متشظ، والطبقة الســـياسية لا ترغب في خوض المعركة الانتخابية، إذاً تطبيق هذا الجزء من الخطة هو تحدٍّ، ولكني مصرّ على رفعـــه، والبرهان أنني بدأت عملية تسجيل الناخبين برغم العقبات والتشكيك، وأنا مسرور لأن العملية بــــدأت بطيئة لكن أرقام الأيام الأخيرة تشير إلى زيادة 4 أضعاف في الجنوب، و3 أضعاف في الغرب وضعفين في الشرق في عدد الذين يتسجلون. آمل بأن يتسجل عدد أكبر من النساء، كوني وجدت أن عددهن أقل من الرجال، لكن ما يزيدني أملاً هو النسبة الكبيرة من الشباب الذين يتسجلون ويشكّلون الأكثرية للمرة الأولى».

وأجاب سلامة عن مفاعيل اتفاق «لاسيل سان كلو» بين رئيس حكومة الوفاق فائز السراج وقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، الذي تمّ بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وما هو وضع المشير حالياً، إذ ينقل البعض أن فرنسا تدعمه في حين ينفي آخرون ذلك.

فقال إن أهم ما في بيان «لا سيل سان كلو»، وهو بيان وليس اتفاقاً، هو الدعوة إلى إجراء الانتخابات، التي دخلت ضمن خطة العمل التي قدمتها إلى مجلس الأمن.

أما في ما يخص المشير حفتر، فهو كان من سنة تقريباً بعيداً من جزء كبير من السياسيين، أما الآن فما بتنا نلمسه منذ حوالى 6 أشهر هو أن دولاً لم تكن تتعامل معه توصلت إلى نتيجة أنه من غير الواقعي التعامل مع الشعب الليبي وتجاهل حفتر، لذلك دُعي إلى بلدان لم تدعمه، فزار إيطاليا وتونس، وأعلم أنه يسعى إلى زيارة المغرب والجزائر وزار موسكو.

وانفتحت دول تعارض حفتر عليه، فزار روما مرتين، مع أن الإيطاليين كانوا ضده علناً. أما الدول التي كانت داعمة للمشير حصراً، فانفتحت على اللاعبين الآخرين على الساحة الليبية، لذلك رأينا مصر تدعو إلى حوار لتوحيد الجيش الليبي وتستضيف ضباطاً من مصراتة وطرابلس وغيرهما، كما أن دولاً كانت تؤيد حفتر، مثل فرنسا، انفتحت وزار وزير خارجيتها جان إيف لو دريان مصراتة وكسر الجليد معها. ما حصل هو توافر مستوى أعلى من «السيولة السياسية» وبكل تواضع نحن ذوو علاقة بهذا الأمر، بمعنى أننا نشجع التلاقي بين الليبيين والدول الأجنبية لتكون على تواصل مع كل الأطراف. وهذا حاصل. لم يعد الانحياز بالحدّة التي كان عليها قبل أن نصل ليبيا.

وعما إذا كان هناك تنسيق مع فرنسا حول ليبيا، قال: «تقريباً كل وزراء الخارجية الذين يزورون ليبيا يبدأون إجمالاً بلقاء معي ويتصلون بي هاتفياً بعد أن يقوموا بزياراتهم، هذا ينطبق على وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، فالمجتمع الدولي حريص على ذلك. وعندما اجتمع وزراء الثلاثية المصرية- التونسية- الجزائرية في تونس، تحدثوا معي قبل إصدار بيانهم ودعوني إلى العشاء معهم بعد ذلك. إذاً هناك تواصل مع كل الدول تقريباً.

وعما إذا كانت الرعاية الخارجية مترامية الأطراف، قال: «ليبيا قارة بحد ذاتها، والهويات المحلية قوية جداً عند الناس، ويؤدي ذلك إلى تعلق كبير لدى الليبيين إما بمدينتهم أو بقبيلتهم أو بمنطقتهم، ولكن هناك أمر آمل أن يتنبه الليبييون له أكثر، وهو العلاقة جدلية بين الانفكاك الداخلي والتدخلات الخارجية بمعنى أنه من سوء حظ أي بلد في العالم أن يدخل في حلقة مفرغة حيث ضعف الدولة الداخلي يؤدي إلى مزيد من التدخلات الخارجية ما يضاعف وهن الدولة. ودخلت ليبيا في هذه الدوامة، لذلك علينا أن نعمل لكسرها. الخلافات العربية تؤثر، والتنافس الأوروبي أيضاً والعلاقات غير السوية بين روسيا وأميركا تؤثر على الوضع الليبي لأنه غير هامشي. فهذا بلد غني بثروات النفط والغاز ولديه أطول شاطئ على المتوسط وعمق أفريقي حقيقي وبسبب حجمه الواسع، ويمكن أن يكون ملاذاً لمجموعات إرهابية، خصوصاً بعد اندحارها في العراق وسورية وهو معبر للهجرة غير شرعية. إذا ثرواته تثير لعاب الأطراف الخارجية وضعف دولته يثير المخاوف. وبالتالي هناك اهتمام دولي واسع بليبيا آمل في أن أتمكن من قوننة هذا الاهتمام الدولي بهدف التركيز على تنفيذ مبادرة الأمم المتحدة.

وعن السياسة الروسية، قال: «إن موسكو بدأت في السنوات الأولى بالانتقاد المتكرر لما اعتبرته تلاعب حلف شمال الأطلسي بالقرارات الدولية لمصلحة التدخل العسكري في ليبيا. ثم طرأ تغيّر في موقف روسيا لاسيما بعد تسجيلها نقاط كثيرة في سورية.

ودعت روسيا منذ حوالى سنة الليبيين إلى زيارتها. وأرى أن هدفها الأساس في ليبيا هو العودة إلى السوق الليبية لأنها كانت مصدراً أساسياً للسلاح وتملك هناك عقوداً ببلايين الدولارات موقعة من أيام معمر القذافي وتأمل بتنفيذها اليوم، لاسيما بعد عودة إنتاج النفط الليبي إلى أكثر من مليون برميل يومياً، ما يعطي ليبيا إمكانات في العودة إلى الشراء، لذلك تنبهت روسيا إلى ضرورة عدم البقاء خارجاً في حال رفع الحظر عن بيع الأسلحة إلى ليبيا أو رُفع التجميد عن الأرصدة الليبية».

وعن امتناعه عن عقد أي لقاء مع سيف الإسلام القذافي، وما هي آخر المعلومات عن وضعه، قال: «ليس من اختصاصنا أن نتعامل معه، إذ لديه مشكلة مع المحكمة الدولية ولم نسع للوصول إلى معلومات عنه. وما هو أهم بكثير بالنسبة إلينا هو ما سميته التصالح بين حقب ليبيا الثلاث، الحقبة الملكية والقذافية والثورية، وكل واحدة من الحقب تدير ظهرها للأخرى وأعمل يومياً على مصالحتهم. نحن نقول لكل أنصار النظام السابق إنهم إن تخلوا عن السلاح وعن الرغبة في إعادة إنتاج النظام ذاته، فمكانهم محفوظ في نظام مدني ديموقراطي. ونتقابل مراراً مع أنصار النظام السابق الذين ليسوا ملاحقين قضائياً. أما بالنسبة إلى أنصار الملكية فألتقي الكثيرين منهم، إلا أنهم منقسمون. نحن منفتحون على الكل، وأنا أرى أن لا حل في ليبيا إلا بتصالح مراحل ليبيا الثلاث بعضها مع بعض.

وعن تجاهل المجتمع الدولي حقوق الإنسان في ليبيا، قال سلامة إن «هذا غير صحيــح فتحدثت إلى مجلس الأمن عـــن مجازر الأبيـــار ودرنة وما حصل في ورشفانة. كما أن جـزءاً من البعثة المؤلفة من 12 شخصاً مخول زيارة كل المعتقلات والسجون، وهو يرفع لنا تقارير بكل أمر يتعلــق بحقوق الإنسان، من اختفاء واحتجاز قسري، وزارنا أخيراً مفوض حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الأمير زيد بن رعد وأمضى أياماً في ليبيا وقدم تقريراً في غاية القوة ضد كل الأطراف ولم يستثن أحداً».