اليمن 2017: عام ثالث من الأوضاع المعيشية الصعبة

صنعاء - جمال محمد |

للعام الثالث على التوالي، يعاني سكّان صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين أوضاعاً معيشية صعبة، إذ تضاعفت أسعار السلع الغذائية والسلع الأساس والمشتقّات النفطية والغاز المنزلي وأجور النقل، وانقطعت رواتب موظّفي الدولة منذ أكثر من سنة، فضلاً عن انتشار السوق السوداء، وانهيار الخدمات الأساس، وتراجع سعر صرف الريال اليمني أمام الدولار إلى أكثر من 440 ريالاً من 215 ريالاً. وقبل الحرب، التي أشعلها الانقلابيون، كان اليمن يستورد 80 في المئة من الأغذية التي يحتاجها، ولكن بعد عامين بات حوالى 17 مليون شخص على شفا المجاعة، من بينهم 1.8 مليون طفل يعانون سوء التغذية. ومنذ احتدام الصراع في آذار (مارس) 2015، فقد العديد من اليمنيين وظائفهم، وفيما ارتفعت أسعار السلع والبضائع إلى الضعف، وجد هؤلاء أنفسهم محظوظين في حال تمكّنوا من توفير وجبة واحدة في اليوم لأطفالهم.

وأشار منسّق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن جيمي ماكغولدريك إلى أن «معاناة السكّان مستمرة، إذ لا تزال المجاعة تهدّد الملايين، والأمراض القابلة للعلاج مستمرّة في الانتشار بين السكّان الذين ضعفت قدراتهم في كل أنحاء اليمن». وشدّد في بيان على أن «أبرز أولويات المنظّمات الإنسانية تتمثّل حالياً في استئناف عمليات الإنقاذ التي انحسرت بسبب انعدام الأمن». ولفت إلى أن «حياة ملايين السكّان، من بينهم 8.4 مليون يمني الذين باتوا على شفا المجاعة، تعتمد على قدراتنا في مواصلة عملياتنا لتوفير المساعدات الصحية والإيوائية والمياه الآمنة والمواد الغذائية». وحتّى 14 الجاري، تم تأمين 1.4 بليون دولار فقط لخطة الاستجابة الإنسانية لليمن، المقدّرة كلفتها بـ2.3 بليون دولار.

 

الدفتيريا والكوليرا

ولم يكد عام 2017 يوشك على الانتهاء، إلا وسجّل اليمن ظهور مرض جديد وهو «الدفتيريا» (الخنّاق)، ليضاف إلى سلسلة الأمراض التي عاودت الظهور بعد اختفائها سنوات طويلة وأبرزها الكوليرا والملاريا وحمّى الضنك والسلّ. وسجّلت «منظّمة الصحة العالمية» وفاة 35 حالة بـ «الدفتيريا» منذ تفشّي المرض قبل أسابيع في المحافظات اليمنية.

وأكدت المنظّمة في تقرير تسجيل أكثر من 300 حالة يشتبه في إصابتها بالمرض، مشيرةً إلى أن حالات الإصابة والوفاة تم رصدها في 15 محافظة من أصل 22، وفي 71 مديرية من أصل 333. وتصدّرت محافظة إب (جنوب صنعاء) المحافظات اليمنية في انتشار المرض، فيما جاءت محافظة الحديدة (غرب اليمن) في المرتبة الثانية. وقال منسّق الطوارئ في منظّمة «أطباء بلا حدود» في إب مارك بونسان: «عالمياً، تم القضاء على الخنّاق في معظم الدول، وأصبحت هذه العدوى مرضاً منسياً إلى حد ما. وحتى في اليمن، سجّلت الحالة الأخيرة عام 1992، وحصل آخر تفشّي عام 1982. لكن الحرب تؤدّي إلى تراجع النظام الصحي عقود إلى الوراء».

وتزامن تفشّي المرض مع انتشار وباء «الكوليرا»، الذي أسفر عن وفاة 2227 شخصاً، فيما زاد عدد المشتبه في إصابتهم بالمرض على المليون، وذلك منذ الموجة الثانية لاندلاعه في 27 نيسان (أبريل) الماضي.

وقال ممثّل «منظّمة الصحة العالمية في اليمن» نيفيو زاغاريا: «هذه الأرقام المخيفة توضّح أن اليمن على شفا المجاعة، ومنظّمة الصحة العالمية تدعم وتكثّف جهود الاستجابة من خلال تأسيس وتأهيل وتأثيث 20 مركزاً للتغذية العلاجية إضافة إلى 12 مركزاً يعمل على دعم المنظّمة». وأضاف: «بعض المنظّمات الدولية تابع مأساة السكان في اليمن وقدّم المساعدة، إذ تم توسيع نطاق جهود الاستجابة في 19 محافظة من أصل 22 بدعم من البنك الدولي والصندوق الإنساني المشترك ومكتب المساعدة الأميركية الخارجية للكوارث».

وإضافة إلى إعادة بناء وتأهيل مراكز التغذية العلاجية، وزّعت «منظّمة الصحة العالمية» 120 حزمة من مستلزمات الرعاية التغذوية العلاجية على كل المراكز، وهي تكفي لعلاج أكثر من 6 آلاف حالة تعاني سوء التغذية الحاد الوخيم، كما درّبت المنظّمة العاملين الصحيين في هذه المراكز، وبلغ عددهم حتى الآن 164 عاملاً في 10 محافظات متأثّرة.

 

«مركز الملك سلمان»

وأشار الناطق الرسمي باسم «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» سامر الجطيلي إلى الجهود الكبيرة التي قدّمتها المملكة في احتواء تفشّي وباء الكوليرا في اليمن الذي لم يسبق له مثيل عبر دعم وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية ومنظّمتي «الصحة العالمية» و «يونيسيف» بأكثر من 76 مليون دولار.

وقال: «سيّر المركز قافلة كبيرة تحمل أكثر من 550 طناً من الأدوات والمستلزمات الطبية والمحاليل لتوزيعها على كل مناطق اليمن لمكافحة الوباء»، موضحاً أن «نسبة الشفاء بلغت 99.7 في المئة، ما دفع عدداً من المنظّمات العاملة على الأرض إلى إغلاق مراكز علاج الكوليرا التابعة لها في بعض المناطق». ولفت إلى «المشاريع الإغاثية والإنسانية التي قدّمتها المملكة لليمن عبر المركز بين نيسان (أبريل) 2015 وتشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، بكلفة بلغت 8.27 بليون دولار»، موضحاً أن «المركز نفذ عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات الغذائية والطبية في تعز وكسر الحصار الذي فرضته الميليشيات الانقلابية». ونفّذ المركز 162 مشروعاً في كل مناطق اليمن، شملت الأمن الغذائي والتغذية والإيواء والصحة والدعم المجتمعي والإصحاح البيئي وغيرها من المشاريع عبر 86 شريكاً محلياً ودولياً.

 

لجنة تنسيق مع السعودية

وأصدر الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي خلال العام الحالي القرار الجمهوري رقم 155 لسنة 2017، وقضى بتشكيل لجنة التنسيق والمتابعة برئاسة وزير المال أحمد عبيد الفضلي لتنفيذ نتائج الاجتماع مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، في المجالات الاقتصادية.

وينص القرار على تشكيل لجنة تحت اسم «لجنة التنسيق والمتابعة»، تعمل على التنسيق والمتابعة مع الجهات المعنية في المملكة لتنفيذ نتائج الاجتماع الذي جمع هادي ومحمد بن سلمان، ودعم البنك المركزي ببليوني دولار كوديعة سعودية لمنع انهيار الريال اليمني، وتمويل كهرباء المحافظات المحرّرة بالديزل والمازوت لمدّة سنة بحسب الكشوفات المرفوعة من وزارة الكهرباء، وبدء تنفيذ مشروع لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات في المحافظات المحرّرة في 1 كانون الثاني (يناير) المقبل في مجال دعم قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق.

 

قرار التعويم

ولعل أبرز قرار اقتصادي اتّخذته الحكومة في 2017 تمثل في إلغاء البنك المركزي التعامل بسعر صرف الدولار الرسمي الثابت المحدّد بـ250 ريالاً، وتوجيهه بالتعامل بسعر الصرف السائد في السوق والذي يزيد على 440 ريالاً، وذلك اعتباراً من 15 آب (أغسطس) الماضي. وقال محافظ «المركزي» منصّر القعيطي في رسالة إلى مديري المصارف التجارية والإسلامية العاملة في اليمن إن «سياسة إدارة سعر الصرف قائمة رسمياً على أساس التعويم وليس ترتيبات التثبيت، بناءً على مناقشات مجلس إدارة البنك». وأمر القعيطي المصارف التجارية والإسلامية بأن «تتعامل بسعر الصرف السائد في السوق اليمنية للدولار والعملات الأجنبية الأخرى المتعامل بها في السوق وفقاً لنشرة أسعار الصرف الصادرة عن البنك المركزي من مقرّه الرئيس في عدن (جنوب اليمن) والمستندة إلى قاعدة إدارة سعر الصرف المعتمدة رسمياً على أساس التعويم».