قصتان.. سيدي الغريب

عصام زكي عمار |
قصتان.. سيدي الغريب

وجدوه على حدود قرية العشرة آلاف في صحراء النوبارية، الرمال تملأ عينيه؛ فمه؛ أذنيه؛ شعره الأصفر الناعم. يبدو أنه مات منذ فترة طويلة. الجاكت والبنطلون باهتان تماماً من الشمس، وتحول قميصه الأبيض إلى اللون الرمادي. وجدوه في حدود الساعة العاشرة صباحاً، بلا خدش، بلا جرح، على وجهه سمت الثراء. أبيض البشرة، أخضر العينين، وسيم، يشوب وجهه هدوء مَن رضي حتى عن موته، كأنه نائم.

بعد ساعة، جاء شرطي، سأل عمّن يعرفه؟ أجمع الحاضرون على أنه غريب، ليس من القرية. تولى أحدُ العساكر تفتيشه، على أمل العثور على أي أوراق تثبت هويته، فلم يجد. نقلوه إلى مشرحة المستشفى، لمعرفة أسباب الوفاة. ذهبوا إلى المخفر لكتابة المحضر. وقّع الشهودُ على أقوالهم. أرسل المخفر إشارة إلى مديريتي أمن الإسكندرية والبحيرة بأوصاف الغريب.

* * *

 

بعد ساعات قليلة، كان كل مَن في القرية يتحدث عن الميت. في البيوت؛ على المقهى، على المصاطب؛ أمام دكان البقالة اليتيم في القرية. أجمع الكل على أنه غريب؛ إلا ستوتة؛ بائعة الجبن التي قالت: -لقد رأيته مرة واحدة، مع فانوس أفندي موظف الإصلاح الزراعي، الذي ترك القرية بعد خروجه على المعاش. أما الحاج مرعي الذي لم يشهد واقعة العثور على جثة الغريب لوجوده خارج القرية وقتَها، فأكد بعد أن أخبروه بأوصافه أنه يعرفه. إنه الواد «توفيق» ابن الحاج إسماعيل الذي تاه من أبيه منذ سنوات في أحد الموالد في الإسكندرية، بعدها مات أبوه وماتت أمه بحسرتيهما.

استدعى الضابط «ستوتة» والحاج «مرعي»، ذهب بهما إلى المشرحة. لم ينكرا ولم يؤكدا، فالجثة مرّت عليها فترة طويلة فتغيّرت ملامح الوجه، خصوصاً أن الرمال التصقت بجلده وجعلته كالصنفرة. جاءت ردود مديريتي الأمن لتؤكد أنه لا يوجد بلاغ عن غائب بهذه الأوصاف، ولا يوجد في السجلات أي معلومات عنه. كما نفى تقرير الطبيب الشرعي احتمال أي شبهة جنائية وراء الوفاة.

* * *

أغلقت النيابة المحضر. حفظته. أمرت بدفن الجثة. خرج الجثمان من المستشفى، وكل مَن في القرية خلفه، يلفهم حزن واضح؛ حتى النساء والأطفال. لم يكن هناك ما يشير إلى ما إذا كان المتوفى مسيحياً أو مسلماً. بهدوء؛ طلب الحاج مرعي أن نصلي عليه. مال عليه الأستاذ جورج؛ مدرس الإعدادي؛ وقال: - وأيضاً نقيم له قداساً، فربما كان مسيحياً، وتُعذّب نفسُه إذا لم نفعل. ذهبت القرية؛ محاطة بجلال الموت وصمته، بالجثمان إلى الكنيسة، لعمل القداس وسماع الموعظة. خرج الجثمان من الكنيسة والقرية خلفه. دخل الجثمان المسجد، والكل خلفه للصلاة عليه. شُيع الجثمان إلى المقابر، بتراتيل ومزامير وآيات قرآنية؛ وسط شهقات بعض النساء. ثم سرعان ما جرى نزاع حول المقبرة التي ينبغي أن يدفن فيها الغريب، لكن سرعان ما جرى الاتفاق على أن يفتح المعلم سباعي التُربي؛ مقبرةً جديدةً في الممر الفاصل بين مقابر المسيحيين والمسلمين. وقف الأب كيرلس يتلو موعظته الأخيرة ويصلي له. ثم وقف الشيخ الشناوي، وقرأ سورة «ياسين»، ولقّن الميت الشهادتين، ودعا له،

والكل يؤمن خلفه مجللاً بالحزن.

بعدها أصبح كل من يزور مقابره لا بد أن يزور قبر «الغريب» الذي ليس له أحد. تحول قبر «الغريب» إلى دير ومقام. الكل يذهب إليه. البعض يقرأ الفاتحة، والبعض يتلو آيات من الإنجيل، مع أدعية بأن تنجب العاقر، أو أن يعود المسافر، أو ينجح من يستعد للامتحان.