شريف عبدالمجيد: أمارس التصوير خلال التوقف عن الكتابة

ياسر سلطان |
شريف عبدالمجيد: أمارس التصوير خلال التوقف عن الكتابة. (الحياة)

في القسم الأكبر من مجموعته القصصية «صولو الخليفة» (دار بدائل)، يجمع المصري شريف عبدالمجيد بين الفانتازيا ونظرته التأملية للحياة عبر تتبعه أحوال أهل شارع الخليفة، وهو أحد الشوارع الشعبية العريقة في القاهرة. يخصص عبدالمجيد القسم الأكبر من قصص المجموعة مرتبطة بشارع الخليفة، فيغزل أسطورة خاصة بكل شخصية على حدة، عبر التقاطه لحظات فارقة تحمل دلالات مباشرة وغير مباشرة، على رغم بساطتها الظاهرية وعبثيتها في كثير من الأحيان.

هنا حوار معه:

> تعد هذه هي المرة الأولى التي تحشد فيها هذا العدد من النصوص حول سياق مكاني مشترك، فما الذي يميز شارع الخليفة ليحتل تلك المكانة المركزية؟

- شارع الخليفة هو جزء أصيل من القاهرة القديمة، وهو المكان الذي أعرفه جيداً حيث عشت وتربيت. هو يجمع بين أصالة القاهرة وأجواء الحارة الشعبية. كان جدي النوبي هو أول من سكن فيه مِن عائلتي. كان رجلاً متصوفاً، يتردد بين الحين والآخر على القاهرة؛ ويبيت في منزل شيده في هذا الشارع بالذات وكان يستضيف فيه أي راغب من أهله في زيارة العاصمة.

> تنتمي إلى النوبة بحكم الروابط الأسرية والعائلية، لكنك قاهري بحكم نشأتك، فكيف أثرت هذه الازدواجية في حياتك وتجربتك؟

- نعم أنا قاهري بحكم تربيتي ومولدي في حي السيدة زينب، كما أشعر فـــــي الوقت نفسه بانتمائي إلى النوبة مــــن جهة العادات والتقاليد والبيت والحكايات التي تُروى. فأنا عند أهل النوبة قاهري وعند أهل القاهرة نوبي، لا أقــــول أني أشعر بالغربة هنا أو هناك، ولكني أحس بشيء من الاختلاف. في القاهــرة كنت مختلفاً في بيئتي الشعبية لأني من عائلة نوبية أولاً ثم لأن والدي كان رجلاً مثقفاً ينتمي إلى اليسار، بحكم أنه كان عضواً في منظمة «حدتو» وسُجن في عهد عبدالناصر. كان والدي مهتماً بتعليمنا وتثقيفنا، فأوجدت هذه النشأة الاختلاف بيني وبين أقراني في الحي أو المدرسة. ففي حين كانوا بمعظمهم يلعبون في الشارع كنت ألعب الشطرنج وأمارس الرياضة في أحد النوادي. وفي المدرسة كنت عضواً في فريق الكشّافة ما جعلني في شبه عزلة عن أقراني، وهي العزلة نفسها التي كنت أشعر بها وسط عائلتي وأقربائي من أهل النوبة، فلم يتسن لي مثلاً تعلم لغتهم، وكنت بعيداً إلى حد ما مِن عاداتهم.

> ألم تفكر في التعاطي مع أنواع أدبية أخرى غير القصة القصيرة، كالرواية مثلاً، بخاصة أن لك تجربة سابقة في الكتابة خارج هذا الإطار من خلال كتابك «حشو موقت» والذي ضم ثلاثة نصوص مسرحية؟

- فكرت بالفعل في كتابة الرواية، ولي مشروعان لم يريا النور لأسباب يمكن أن تسميها قدرية، أو من قبيل الحظ العاثر، فقد فقدت الرواية الأولى بعد أن كتبت منها جزءاً كبيراً بسبب خلل أصاب جهاز الكمبيوتر الشخصي ما تسبب في ضياع كم كبير من المواد المخزّنة عليه، ومن بينها هذه الرواية غير المكتملة، بالإضافة إلى ما يزيد على الألف صورة عن النوبة كنت أجهزها لتصدر في كتاب ضمن مشروع «وصف مصر بالصور». أما الرواية الثانية فقد توقفتُ عن كتابتها بلا سبب واضح بعد إنهاء جزء كبير منها أيضاً، ولا أعرف حتى الآن هل سأكملها أم لا. ولك أن تعرف أن الجزء الأكبر من مجموعة «صولو الخليفة» يحتوي على المشاهد التي استطعت تذكرها من الرواية الأولى والتي كانت تدور حول الحي نفسه. فأبطال القصص التي تتضمنها المجموعة في معظمهم هم الشخصيات نفسها التي بنيت عليها الرواية الضائعة، لذا كان شارع الخليفة عاملاً مشتركاً بين النصوص التي يضمها الجزء الأول من المجموعة، وهو أقرب من وجهة نظري إلى الحس الروائي.

> هناك عامل مشترك آخر في مجموعة «صولو الخليفة» غير المكان وهو الاحتفاء بالموت، متمثلاً في النهايات المؤثرة لعدد من أبطال القصص، فلماذا كل هذا الاحتفاء بالموت؟

- أنا هنا لا أحتفي بالموت بقدر ما أتلمس تجاور الموت مع الحياة، ففي قصة «الوصية»؛ مثلاً؛ تعيش «سعاد» مع جثة أمها المتوفاة، وتتعامل مع الأمر كما لو كانت لا تزال على قيد الحياة. قصة «الوصية» هي نموذج لهذا التجاور بين الحياة والموت الذي أقصده، وهي سمة تتكرر في عدد من النصوص على مستويات مختلفة.

> تتسم أعمالك بنوع من الفانتازيا، فهل تتعمد البحث عن هذه النوعية من العلاقات؟

- الفانتازيا موجودة بقوة في حياتنا طوال الوقت من دون أن ندري، ففي قصة «الحانوتي»، وهي إحدى قصص المجموعة الأخيرة، يفاجأ الناس بموت دافن الموتى فيرتبكون من الصدمة ولا يعرفون كيف يتصرفون، فالرجل الذي كان يقوم بهذه المهمة عنهم يبحثون له اليوم عن مَن يتولى مراسم دفنه، لذا فهم في غمرة صدمتهم وحزنهم على الرجل ينفجرون في الضحك من هذه المفارقة. أعتقد أن الحياة مليئة بهذا النوع من المفارقة الفانتازيا، أنا أحاول فقط أن ألتقط تلك اللحظة أو هذه المفارقة. الفانتازيا هنا تعتمد على واقع، ففي قصة «الشيء الذي هوى»؛ مثلاً، يحار الناس في هذا الجسم الساقط على بلدتهم من السماء ويذهب بعضهم إلى اعتباره غضباً من الله، بينما يذهب بعضهم الآخر إلى تفسيرات أكثر شططاً باعتباره جسماً فضائياً، وينسجون القصص التي تتماشى مع ظنونهم هذه، ليتضح في النهاية أنه مجرد خزان وقود سقط من إحدى الطائرات الحربية. في معظم كتاباتي عادة ما أجد نفسي مهموماً بهذا التحايل على الحياة من أجل الاستمرار، وتستوقفني هنا أعمال الكاتب الراحل ألبير قصيري وهو كاتب مصري عاش معظم حياته في فرنسا وكانت غالبية كتابته عن هذه الطبقات الفقيرة، وهو من أكثر الكتاب الذين أحببت كتاباتهم. كان ألبير قصيري مهتماً بفكرة المعاناة وكيفية استمرار الحياة في ظل هذا البؤس، وهو السؤال الذي أكملته على استقامته. أنا أكتب عن هذه التفاصيل والقدرة على التعايش مع الظروف الصعبة، مع الفقر والاحتلال والقمع وغيرها من الظروف القهرية.

> هل تعتبر أن تجربتك هي امتداد في شكل أو في آخر لأدب ألبير قصيري؟

- ليست امتداداً بقدر ما هي إعادة للتساؤلات الرئيسة في أدب ألبير قصيري، الفارق هنا أنه كان ينظر إلى هؤلاء الناس في دهشة كبرجوازي يرى أن الحياة على هذا النحو مستحيلة وهو ما يتسق مع شخصيته ككاتب عبثي كان يعيش طوال الوقت داخل غرفة في فندق. هو كان يرى في ذلك البؤس استسلاماً قدرياً لهذا الوضع، ولكني أرى أن هذا ليس استسلاماً للأوضاع بقدر ما هو انتصار عليها تشبثاً بالحياة.

> لماذا وضعت في المجموعة قصصاً سبق أن عالجتها كنصوص مسرحية؟

- هناك قصتان كانتا من قبل نصين مسرحيين ضمن مجموعة «حشو موقت»؛ هما «الوصية»، و «وكونشرتو الزوجين والراديو». في اعتقادي أن قراء النصوص المسرحية ليسوا كثراً، لذا أعدت النظر في كل نص منهما بتحويله من الروح المسرحية إلى الروح القصصية. طالما كان النص مؤثراً في الكاتب ويدعوه إلى معالجته من جديد، فما المانع؟ إعادة المعالجة الأدبية للنصوص هي أمر وارد ومتعارف عليه في العالم.

> تمتلك وسيطين للتعبير، فخلافاً لاحترافك الكتابة؛ تمارس التصوير الفوتوغرافي، فأي الوسيطين له التأثير الأكبر في الآخر؟

- الشائع هو أني بدأت التصوير الفوتوغرافي أولاً، وهذا ليس حقيقياً، أنا أمارس التصوير كهواية، ولكن الكتابة عندي ليست هواية، فهي مشروعي الحقيقي. التصوير الفوتوغرافي بالنسبة لي هو وقت مستقطع من الكتابة. فأول مجموعة لي هي «مقطع جديد لأسطورة قديمة» صدرت عام 2002، والثانية «خدمات ما بعد البيع» صدرت عام 2007، وخلال تلك السنوات كنتُ أمارس التصوير وأقمت معرضين؛ الأول عام 2006 بعنوان «مدينتي»، وهو أول معرض في مصر لصور التقطت بكاميرا الموبايل، وكان يدور حول فكرة التناقض التي تتسم بها الحياة في القاهرة. المعرض الآخر عنوانه «حيطان» وأقيم عام 2007 وجزء منه عن الكتابات الموجودة فوق الجدران. كنت أهرب إلى الفوتوغرافيا في الفترة التي يمكن أن تطلق عليها خواء الكاتب، أو فترة التوقف عن الكتابة، فالتصوير يتسم بالحركة ويدفعك إلى التعرف إلى شخصيات جديدة، كما أن الصورة الفوتوغرافية بالنسبة لي تعتبر قصة قصيرة مختزلة في لقطة واحدة، فمن سماتها التكثيف الشديد والإيجاز، وما يجمع بين القصة القصيرة والصورة الفوتوغرافية هو التعبير عن الكل من خلال الجزء.

> لك تجربة مهمة في توثيق رسوم الغرافيتي قدمتها في كتابين؛ فلماذا أقدمت على هذه الخطوة؟

- تمتد فكرة توثيق الغرافيتي إلى فترة اهتمامي بتصوير الكتابات على الجدران، فقد كان لديّ شعور بقيمة ما يكتب أو يرسم عليها. وأثناء الثورة كان هناك أناس يرسمون الكاريكاتير ويوزعون الرسومات أو يعلقونها على الجدران، ولكن هذه الرسوم بدأت مع الوقت تتساقط أو تتلف، حينها بدأ وعي الناس يتجه إلى الرسم على الجدران مباشرة. وذات يوم؛ حين كنت عائداً إلى بيتي من ميدان التحرير فاستوقفتني عبارة مكتوبة بقلم سميك على أحد الجدران: «أنا كنتُ هنا». هي جملة تحمل وعياً ما بأن هذه لحظة من الممكن ألا تتكرر. حينها فكرت أن كل ذلك من الممكن أن يمحى من الذاكرة. منذ تلك اللحظة قررت أن أسجل هذه الرسوم والكتابات قبل أن تمحى. بعد أن سجلت كل ما استطعت تسجيله في القاهرة والإسكندرية اتجهت إلى توثيق الغرافيتي في المحافظات الأخرى وسجلت كل ذلك في ثلاثة كتب مصورة هي «أرض أرض»؛ عن الغرافيتي في القاهرة والإسكندرية، ثم أتبعته بكتاب آخر عن الغرافيتي في محافظات مصر الأخرى، ثم كتاب ثالث عن رسومات وكتابات مشجعي فرق كرة القدم الشهيرة.