تآكل الانتماء والطريق إلى مجتمع طائفي

عزمي عاشور |
سوريون في طريقهم الى أوروبا... بحثاً عن «المواطنة» (رويترز)

تمكننا محاولة رسم صورة لمفهوم الانتماء بين منظورين، أولاً الانتماء واكتساب المواطنة في مجتمعاتنا ظل لفترة طويلة لا يأتي إلا وفق رؤية من يحتكرون السلطة وتقديرهم، فمن يعارضهم وينتقدهم يصبح من وجهة نظرهم غير وطني ويحق للأقلية التي تحكم ليس فقط تشويهه وإنما قطع مصادر رزقه أيضاً. أما المجتمعات التي نضجت ديموقراطياً، فعملية الاختلاف في وجهات النظر السياسية وغيرها لا تكون مبرراً لك ولو كنت صاحب سلطة ونفوذ أن تصفي خصومك باستخدام هذه الأدوات. ثانياً أن عملية الانتماء في مجتمعات ما بعد الاستقلال ترتبط بصك الاعتراف والانتماء إلى هذه النخبة الحاكمة والدفاع عن سياساتها، ولا تتعداها إلى أمور أخرى تتعارض مع توجهات هذه النخب، على عكس الانتماء في الثقافة الديموقراطية الذي تحوّل إلى ثقافة وسلوك بمعنى أن المواطن الفرنسي يترجم انتماءه وحبه لبلده في سلوكه اليومي باحترامه للقوانين ودفعـــه الضرائب وتمسكه بالأعراف التي تفـــرضها عليه ثقافة مجتمعه من دون أن يكون هناك التزام مفروض عليه ممن يحكمون. ومن هنا نلاحظ تفاوتاً، ليس فــي الشعور بالانتماء وإنما في الظروف والنتــائج المترتبة عليه بين الثقافتين.

لا يمكن هنا أن يكون هناك من ينكر شعور الحب والانتماء لبلاده، سواء كان مصرياً أو سورياً أو أميركياً، فالكل يشعر بالأمان بانتمائه إلى بلد ما، غير أن الظروف والنتائج المرتبطة بالمفهومين تبدو مختلفة، فالانتماء في المجتمعات الديموقراطية لا يرتبط بنخبة حاكمة بمقدار ما يرتبط بكيان أكبر، ممثّل في الوطن الذي يمثل الاستمرارية والتراكمية، فالنخب الحاكمة هنا واجبها العمل وفقاً لمبدأ وواقع أنها هي ذاهبة والوطن هو المستمر والباقي. ومن ثم لا يضير أحداً كونه ينتمي إلى حزب ما حاكم ثم يأتي بعد ذلك حزب آخر يحكمه وتكون له مواقف معارضة له، لأنه في معارضته يعارض ليس من أجل حزبه وإنما من أجل هذا الوطن بجغرافيته الحاضنة له ولأولاده من بعده.

وبالنسبة إلى المجتمعات التي لم تنضج فيها الديموقراطية بعد، لظروف وملابسات سياسية واجتماعية، تأثرت عملية الانتماء بهذا الشكل الاحتكاري للسلطة. وهكذا نجد أن مَن ينتمي إلى النخبة الحاكمة يؤيدها في كل ما تقوله وما تفعله ولو كان غير صائب، وفي المقـــابل يتم تهميش فئات كبيرة قد تأخذ موقفاً مضــاداً فكرياً وسياسياً، ليس ضد وطنها وإنما ضد سياسات حكّامهــا، فيكون جزاؤها الطرد من جنة الانتماء (جزء من تفسيرات الثورات العربية يرجع إلى تهميش الغالبية بحجة هذا السبب). وبالتالي يصبح هـــؤلاء في نظر هذه الفئة خارجين عن مـــلة الوطن. ومثل هذا الخلط في مفهوم الانتماء وترجمته على أرض الواقع هو نتيجــة طبيعيــة لاحتكار كل شيء، فالوطن أصبح شبه محتكر لحكامه ولفئة النخبة التي تسانده في سبيل تهميش الكتلة الكبيرة من المجتمع والتي قد تجني هي نتائج سوء سياسات نخبتها الحاكمة.

أما فئة النخبة المضادة التي تعارض هذه السياسات فهي، وفقاً لهذه النخبة ليست، وطنية. النتائج السلبية في مثل هذا الوضع هي بالأساس صنيعة نخب بناة الدولة الوطنية والتي كان من أول أهدافها عندما تولت مسؤولية حكم بلادها هو بناء كيان الوطن الذي يعلو بمؤسساته وقوانينه فوق رؤوس الجميع، بمن فيهم هذه النخب التي تتداول السلطة ويبقى كيان الوطن مؤسسياً وقانونياً في السرَيان ولا يحدث انقطاع فيه. وحدث عكس ذلك خلال العقود الماضية، فأصبح كيان الوطن لعقود طويلة تابعاً، وفي الوقت ذاته مُسخَّراً للنخبة واستمراريتها، على خلاف المجتمعات الديموقراطية التي تظهر عملية تداول السلطة بين أحزاب ومعارضة في الحكم في شكل يعكس استقلال كيان الدولة والوطن بمؤسساته وقوانينه عن النخبة الحاكمة والتي في هذه الحالة ما هي إلا ترس يتحرك في كيان الدولة من دون أن ينفصل أو يخرج عن فلكها. فالكل وفقاً لمؤسسة كيان الوطن يستطيع أن يساهم في تقدمه ورقيّه في وقت يضمن أن هذا الكيان لا يغتصب حقوقه بغية إرضاء من يحكمون. فثنائية التناقض على أرض الواقع الواقع ينتج عنها:

أولاً: تفتيت الولاء للوطن وظهور ولاءات دينية وعرقية نتيجة عمليات الاستبعاد المعنوي والاقتصادي والمجتمعي الذي تمارسه النخبة الحاكمة بسياساتها، سواء بوعي أو بغير وعي منها.

ثانياً: خلق ثقافة تعمل على القضاء على الأفكار والقيم الوطنية التي تؤسس للكيان العابر للإثنيات والقوميات من جراء سياسات هذه النخبة. فعندما يصبح للقانون أكثر من وجه وليس سيفاً مسلطاً على الجميع، تضيع هيبة هذا الكيان، وبالمثل المؤسسات التي يفترض فيها أنها حامية للجميع لتفقد مشروعيتها بهذه الصورة، وأيضاً عوائد التنمية التي تذهب إلى فئة محدودة، سواء بالطرق غير الشرعية واستغلال النفوذ وغيرها. فسيادة هذه الثقافة تخلق حالة من عدم الثقة، فيقل الانتماء في المجتمع، ويتم البحث عن انتماءات فرعية أخرى تحقق الأمان سواء بالاحتماء بالعصبية أو بالديانة أو يكون لها ولاءاتها خارج نطاق جغرافية الوطن. والضحية في النهاية هو هذا الوطن الذي بسبب هذه الأخطاء يتفتت ولاءات فرعية تدخله في حروب أهلية، على طريقة ما يحدث الآن في عدد من المجتمعات العربية بمآسيها البشرية والمادية.

 

 

* كاتب مصري