لمحات ثقافية

مودي بيطار |
هان كنغ

لَو

 

تتساءل هان كانغ عن معنى استبدال حياة بأخرى في «الكتاب الأبيض» الصادر بالإنكليزية عن «بورتوبيللو» بترجمة ديبرا سميث التي تقاسمت مع الكاتبة جائزة مان بوكر الدولية عن «النباتية» في 2016. الرواية الذاتية عن كاتبة من كوريا الجنوبية تزور وارسو بدعوة أكاديمية لتذكّرها المدينة البيضاء بثلجها وأبنيتها بمأساة ما كانت وُجدت لولاها. كانت والدة هان في الثانية والعشرين حين أنجبت طفلة قبل أوانها، وفُجعت بوفاتها بعد ساعتين. توجّست بسكينة مولودتها وشدّت طرف اللحاف من حين إلى آخر لتثير ردّ فعلها، لكن الطفلة فتحت عينيها قليلاً ثم أغمضتهما نهائياً. حين درّ صدر الأم الحليب أخيراً وحاولت إرضاعها، وجدت أنها لا تزال تتنفّس. لكنها بدأت ترضع وهي فاقدة الوعي، وباشرت عبور الحدود التي جهلت ماهيتها. ما كانت الأم أنجبت مجدّداً لوعاشت بكرها، وتحس الكاتبة أن شقيقتها بديلها الشبح، وأن عليها العيش من أجلها ورؤية الحياة بعينيها مع الاحتفاظ بمعرفتها بصدفة حياتها هي. «هذه الحياة احتاجت إلى إحدانا فقط لتعيشها. لو عشتِ أكثر من تلك الساعات القليلة ما كنتُ أنا حيّة اليوم». حين تنظر الى وجهها في المرآة ترى الموت خلفه، يحوم خافتاً ولكن عنيداً مثل كتابة سوداء تتسلّل عبر الورق.

لا تذكر هان اسم وارسو التي تدعوها «المدينة البيضاء» وتتخيّل أن شقيقتها زارتها بدلاً منها. تدور حول مبنى دُمّر في 1944 ثم أعيد بناؤه كما كان تماماً مع الاحتفاظ بعمود سلِم منه. تدرك أن حضور شقيقتها جزء من تاريخها مثل العمود، وتتساءل إن كانت الكتابة عنها ستعطيها حياة جديدة. تجد الكاتبة عزاء في الأشياء البيضاء التي تذكّرها بشقيقتها. أزهار شجر اليولان التي زُرعت لأصدقاء المدرسة الراحلين صغاراً، قماط الطفل الذي يظهر على الغلاف، قطعة سكر، صحن رز، ملح، عظم، حصى. تقول إنها احتاجت إلى الكتابة، وإن هذه تشبه المرهم الأبيض الذي نضعه عل الورم، والشاش الذي نغطي الجرح به. تربط خسارة شقيقتها بتاريخ مدينة أوروبية وأهوال كوريا. تتخيّلها تحدّق في شموع أُشعِلت لضحايا الجيش الألماني وتفكر أن الحِداد عليهم لم يكن كافياً، فتشعل شموعاً لهم ولها. تقول:»أردت أن أُريك الأشياء النظيفة فقط. قبل القسوة، الحزن، اليأس، القذارة الألم، أشياء نظيفة كانت لك أنت، أشياء نظيفة أولاً. لكنني لم أنل النتيجة المرجوة. مرّة تلو المرة حدّقت في عينيك كأنني أبحث عن شكل في مرآة سوداء عميقة». تحدّق في حصاة بيضاء وتفكر أنه لو أمكن تكثيف الصمت بأصغر وأكثر الأشياء صلابة لكانت هذه الحصاة. البياض حولها لون الحداد والذكرى، لكنه لا ينحصر بما يُرى. تكتب عن «الضحك الأبيض» الذي لا يوجد ربما إلا في لغتها الأم ويتعلّق بالضحك الذي لا نعنيه، ضحك خفيض بلا فرح يتشتّت بسرعة.

كتبت هان في «أفعال بشرية» عن قمع انتفاضة غوانجو المطالبة بالديمقراطية في كوريا الجنوبية في الثمانينات، ونالت جائزة مان بوكر الدولية عن «النباتية» التي يتحوّل فيها فعل روتيني مثل الامتناع عن تناول اللحوم رحلة نحو النقاء الوجودي تجلب الدمار للبطلة ومن حولها.

 

أسئلة أميركية

 

بات مليونيراً منذ باكورته «انتحار العذراوات»، ونال جائزة بوليتزر عن روايته الثانية «ميدلسكس»، لكن مجموعته القصصية الأولى تهجس بالفشل والخسارة والموت. عشر قصص في «شكوى جديدة» الصادرة عن فورث إستيت تحوي فقط قصّتين غير منشورتين. كتب جفري يوجينيدس أولى القصص قبل صدور «انتحار العذراوات» في 1993 واختار وسط العمر لمعظم شخصياته. تدور «حدائق متقلّبة» في إرلندا، ويُقلّ بطلها شون شابتين في سيارته، ويصحبهما إلى بيته. تضحك هاتان «ضحكات موسيقية» ويرغب في إحداهما. يرسل صديقه مالكوم، المطلّق مثله، إلى الحديقة ليقطف أزهار الأرضي شوكي للعشاء. لم يكن مالكوم يتوقع مفاجأة جمالية، لكن منظر الأرضي شوكي وملمسه في ضوء الليل صعقاه. مرّ بيديه على جذوعه وقطع أزهاره التي بدت كأنها تمتدّ إلى ما لا نهاية، ولم يرغب في التوقف عن قطفها.

«تجربة عظيمة» التي كتبها يوجينيدس بعد عقدين تدور في شيكاغو التي يسمعها البطل كندال تسأله: «إذا كنت ذكيّاً إلى هذه الدرجة لماذا لم تصبح ثريّاً؟» كان كندال ذكياً حقاً. تخرّج من أمهرست ومشغل آيوا للكتابة الإبداعية، علّم في المدرسة اللاتينية، ونشر أغنيتين في ملحق «تايمز» الأدبي. هو اليوم رئيس تحرير في دار نشر استهلّ صاحبها المحسن الكبير حياته بإصدار المجلات الخلاعية. يوجز «الديموقراطية في أميركا» للفرنسي دي توكفيل الذي كتب في القرن التاسع عشر عن أميركا حين «كانت صغيرة، غير خطرة ومثيرة للإعجاب». لم يحلم يوماً بالثروة، لكنه لم يتوقّع أن يكون راتبه محدوداً وأن يزعجه ذلك. يعجز عن إصلاح بيته المتهاوي، ويعيش بين مباني الزجاج والفولاذ اللامعة فوق المياه. يحس بأنه ضحية نظام مجرم، ويتآمر مع المحاسب لاختلاس مليون دولار. يشاهد فيلم «باتون» على التلفزيون ويفكّر أن الجنرال عوقب لصفعه جندياً فيما بقي دونالد رَمسفِلد، وزير الدفاع خلال غزو العراق، حرّاً بعد الانتهاكات في سجن أبو غريب. حتى الرئيس الذي كذب في شأن أسلحة الدمار الشامل أُعيد انتخابه. القصة هجاء سياسي مباشر، وتساؤل عن طبيعة البلاد حين جالها دي توكفيل طفلة، والأخطاء التي ارتُكبت وأدّت إلى ضياع الطريق.

«الشاكيتان» عن امرأة تصاب بالخرف ويودعها ولداها دار رعاية يشبه السجن. تعرف ديللا أنهما قادران ماليّاً على توفير رعاية أفضل لها، وتهرب مع صديقتها كاثي لتهتم إحداهما بالأخرى كما تفعل امرأتان من الهنود الحمر في رواية. في «بريد جوّي» يصاب الطالب الجامعي ميتشل غراماتيكاس بالإسهال أثناء سياحة في تايلاند، لكن بحثه عن التنوير يحوّل الوعكة تجربة روحيّة ثمينة. يعتقد أن الرنين الدائم في أذنيه الذي يسبّبه سوء التغذية، بشير برؤيا ما، ويُفرغ أحشاءه وهو يسبح في الخليج الدافئ تحت ضوء القمر، وهو يحس بأنه يتّحد مع الطبيعة.

توماسينا في «تطرية بالدِهن» في الأربعين وتبحث يائسة عن رجل تنجب منه طفلاً. تهجر صديقها القصير القامة، الجاحظ العينين، الذي يشبه أنفه البطاطا، وتدعو الواهبين المحتملين الى حفلة. اعتبر نفسه دائماً «لقطة» لأن دخله كبير ويغضبه هجرها. يعرف أن الرجال يشيّئون النساء، لكن معاينة صدورهن وسيقانهن لا تقارن بحسابات النساء الباردة حين يتعلّق الأمر بالمني. في قصة العنوان تفكر تلميذة هندية أميركية لامعة في السادسة عشرة في طريقة للتخلّص من زواج يدبّرها أهلها. نفرت من الزوج العتيد الذي استبعدت الارتباط به في أسوأ الأحوال، وخطّطت للإيقاع بأستاذ علّ فقدان عذريّتها يجعلها عروساً غير ملائمة. لا يحدث الاغتصاب المزعوم، وتنتهي القصة بغضب براكرتي من والديها لأنهما «غضّا الطرف عن هجوم لم يحصل بأي حال».

 

آخر ابتسامة

 

وصفت أولغا كنيبر الدقائق الأخيرة من حياة زوجها في غرفة فندق ألماني. تناول كأساً، التفت نحوها بابتسامته «المدهشة» وقال إن وقتاً طويلاً مضى منذ شرب الشمبانيا. احتساها دفعة واحدة بهدوء، استلقى على جانبه الأيسر، ودخل الصمت النهائي بعد دقائق. عرف أنطون تشيكوف، الطبيب الكاتب، أنه مصاب بالسلّ وكتب عنه في قصصه، وآمن كاتبو سيرته أنه توفّي بنوبة قلبية. لكن فريق بحث في «كوودرام إنستيتيوت بيوساينس» في نوريتش، إنكلترا، تفحّص قميص الكاتب الروسي الملطّخ ببقعة دم وخمس رسائل كتبها باستخدام طبقة من الأسيتيت، واستنتج أن موته نتج عن انسداد في شريان دماغي. وجد الفريق نوعاً من البروتين على القميص المعروض في متحف الكاتب يرتبط بجلطة الدماغ وينتجه الجسم ردّاً على الصدمة. وإذ يجري المزيد من الفحوص لقميص تشيكوف يأمل بتطبيق الإجراء ذاته على ملابس شخصيات تاريخية كالملك تشارلز الأول الذي أعدمه أوليفر كرومويل في أوائل 1649 لاكتشاف الأمراض التي عانى منها.