السُمنة في سنّ المراهقة... كارثة صحية

الدكتور أنور نعمة |
زيادة الوزن قد تؤدي إلى الإصابة بالأمراض. (الحياة)

في بلداننا العربية المضيافة يفضّل الأهل أن يكون أولادهم المراهقون موردي الخدود ومكتنزين بالشحم واللحم، اعتقاداً منهم بأن الوزن الزائد هو من علامات الصحة الجيدة.

قد تشهد مرحلة المراهقة زيادة ملحوظة في الوزن تنجم عادة عن التقلبات الهرمونية، لكن هذه الزيادة لا تلبث أن تتلاشى تدريجياً مع بداية استقرار مستوى الهرمونات في الجسم.

وعندما يكون وزن المراهق واضحاً للعيان فإن أول ما قد يعاني منه هو الأزمة النفسية، بسبب الحساسية الفائضة في هذه السن من جهة، وبسبب التعليقات الفظة والنكات الساخرة والنظرات المريبة التي تنهال عليه من الآخرين ، من جهة أخرى.

ويشاهد الوزن الزائد على نطاق واسع بين جمهور المراهقين في كل البلدان، الفقيرة منها والغنية. وساهمت التقنيات الحديثة، والوجبات السريعة، ووسائل النقل الجديدة، ونمط الحياة الخالي من الحركة، في زيادة الوزن عند المراهقين وبالتالي الإصابة بالسمنة.

وإذا استوطنت الزيادة في الوزن لدى المراهق ولازمته طيلة هذه المرحلة فإنها قد تقود لاحقاً إلى مضاعفات صحية هنا أبرزها:

- على صعيد القلب، تؤدي الزيادة المفرطة في وزن المراهق إلى ارتفاع نسبة الشحوم السيئة في الدم ما يزيد من احتمالات الإصابة بالأزمات القلبية في فترة مبكرة من الحياة.

- على صعيد الدماغ، أفادت دراسة طبية حديثة هي الأولى من نوعها، أجراها باحثون من جامعة براون الأميركية للطب والصحة العامة بقيادة البروفسور جيريمي الكرك، بأن فرط الوزن في سن المراهقة يترك تأثيرات سلبية في الوظائف الإدراكية للمخ تظهر لاحقاً في منتصف العمر، من هنا يوصي معد الدراسة بضرورة اتباع نظام غذائي من فترة الطفولة وحتى مرحلة الشيخوخة، من أجل الحماية من الأمراض وتعزيز وظائف الدماغ.

أبعد من هذا، ففي دراسة أعدها باحثون من أكاديمية سالغرينسكا السويدية، أوضحت النتائج أن الذين يعانون من الوزن الزائد خلال فترة المراهقة هم أكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية في المستقبل. شملت الدراسة 3800 رجل تم توثيق حالاتهم من قبل العيادة المدرسية وسجلات القيد المتعلقة بالوزن والطول، وبعد مقارنة مؤشر كتلة الوزن في سن الثامنة، ومن ثم في سن العشرين لمعرفة أثر التغيرات، تبين أن الأطفال الذين زاد وزنهم في سن 20 سنة زاد احتمال إصابتهم بالسكتة الدماغية بنسبة تفوق 80 في المئة.

- على صعيد جهاز الهضم، كشفت دراسة سويدية أجريت على أكثر من 240 ألف سويدي واستغرقت 35 عاماً، أن زيادة الوزن خلال فترة المراهقة تزيد من احتمال الإصابة بسرطان الأمعاء الغليظة عند الكبر. وبينت نتائج تحليل الحالات التي شاركت في الدراسة أن المراهقين الذين عانوا من الوزن الزائد كانوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان القولون والمستقيم بمعدل الضعف مقارنة بالمراهقين أصحاب الوزن الطبيعي، ويرتفع هذا المعدل في شكل ملحوظ لدى المراهقين المصابين بالسمنة المفرطة. ويعتبر سرطان الأمعاء الغليظة ثالث أكثر أنواع السرطان شيوعاً في العالم.

وفي السياق ذاته، سبق أن حذرت دراسة أميركية أشرف عليها باحثون في المعهد الوطني الأميركي للسرطان، ونشروا نتائجها، في الدورية البريطانية للسرطان، من أن الزيادة في الوزن التي ترتفع تدريجياً إلى السمنة خلال مرحلة المراهقة، قد تضاعف من خطر إصابة الأشخاص بسرطاني المريء والمعدة في وقت لاحق من حياتهم.

- على صعيد المفاصل، أشارت دراسة صدرت عن أحد المراكز الطبية في مدينة بوسطن الأميركية إلى أن الزيادة في الوزن لدى المراهق تؤدي إلى ضغط كبير على أربطته ومفاصله، ما يجعله عرضة لالتهاب المفاصل في سن مبكرة.

- على صعيد الصحة النفسية، يعاني أصحاب الوزن الزائد من المراهقين من الاكتئاب لعدم تقبّل أشكالهم من جهة، إضافة إلى نظرة المجتمع السلبية لهم من جهة أخرى، ما يزعزع ثقتهم بأنفسهم ويجعلهم أكثر عرضة للإصابة بمرض الاكتئاب.

- على الصعيد الاجتماعي، يجد المراهق السمين صعوبات جمة في تكوين صداقات لأن الآخرين من ذوي الوزن الطبيعي يميلون إلى استبعاده عن دائرة معارفهم.

- في خصوص الرجال، كشفت دراسة حديثة أجريت في جامعة بوفالو الأميركية نقصاً في تركيز الهرمون الذكري التستوستيرون عند المراهقين الذين يعانون من السمنة مقارنة بنظرائهم من ذوي الأوزان الطبيعية. وكما هو معروف فإن الهرمون المذكور يلعب دوراً جوهرياً في تطور الخصيتين وغدة البروستاتة عند الذكور، ويُعزز من حجم الكتلة العضلية، ويساهم في بناء الثروة المعدنية في العظام، ويحفز نمو الشعر في مناطق الجسم المختلفة، ما يدل على أهميته في ظهور الخصائص الجنسية الثانوية، كالشاربين واللحية وشعر العانة وخشونة الصوت.

في المختصر، إن زيادة الوزن في سن المراهقة قد تكون عابرة تزول بعد حين، أما إذا استمرت الزيادة لتبلغ حد السمنة فعندها لا بد للأهل أن يتصرفوا بسرعة لتفادي المشكلات الصحية والنفسية والاجتماعية التي يمكن أن تثقل كاهل ولدهم.

وعلى الأهل أن يبادروا إلى إجراء مقاربة عملية من أجل مساعدة ابنهم المراهق في التخلص من الوزن الفائض من خلال الحض على اتباع نمط حياة صحي قوامه عادات صحية جيدة، ونظام غذائي متوازن، وتجنب الوجبات السريعة والجاهزة والمشروبات الغنية بالطاقة، والإكثار من تناول الخضروات والفواكه، وممارسة الأنشطة الرياضية. وإذا فشل الأهل في مسعاهم فما عليهم سوى استشارة الطبيب للأخذ بيد المراهق البدين إلى شاطئ الوزن الطبيعي.