جمال الدين الأفغاني: الإصلاح بالاستدراك الحضاري

حسن محمد شافعي |

شهد العصر الحديث ظهور تيارات فكرية عربية تكاد تتفق على فرضية أن العالم العربي يعيش حالة من التعسر الحضاري تتسبب في هزائم سياسية وضعف علمي واجتماعي، ما يعني ضرورة البحث عن سبل للخروج منها. إلا أنها اختلفت في طبيعة الأزمة ومساراتها بين مَن رأى أن سببها أساساً الموروث الثقافي، أو مَن رأى أنها في منهجية قراءة الموروث. الرأي الأول بحث عن سندات ثقافية جديدة تبنى عليها مرجعية مغايرة للموروث الثقافي التقليدي، في حين ذهب الفريق الثاني إلى ضرورة إعادة قراءة الموروث بروح تجديدية ووسائل تستفيد من العلوم الحديثة. البعض رأى أنها أزمة سلطة سياسية تتعلق بنظام الحكم. ورأى آخرون أن أزمة الحكم ما هي إلا انعكاس لأزمة في المنظومة الفكرية تحتاج إلى منهجية معاصرة في التعاطي مع الأزمة الحضارية وما تبعها من تصدعات في البناء الاجتماعي.

وتبنّت مدرسة الإصلاح التي كان من روادها السيد جمال الدين الأفغاني منهجية التجديد الديني من أجل استدراك الإصلاح الحضاري، فسعت إلى تحليل الأفكار التي شكّلت الواقع الاجتماعي والسياسي من أجل التمييز بين الأفكار التي طرأت على المجتمع نتيجة ما أصابه من ضعف، وبين الأفكار المعبرة عن مضامين القيم الإسلامية ويؤسس عليها بناء المجتمعات.

وذكر الأفغاني في رسالته في الرد على الدهريين أن الدين أكسب العقول ثلاث عقائد وأودع في نفوسهم ثلاث خصال كل منها ركن لوجود الأمم وعماد لبناء الهيئة الاجتماعية. أما العقيدة الأولى، فهي التصديق بأن الإنسان ملك أرضي، وأنه أشرف المخلوقات. والعقيدة الثانية تتمثل في يقين كل ذي دين أن أمته أشرف الأمم. والثالثة أن الدين يؤكد أن الإنسان وجد لتحصيل كمالٍ يهيئه لعالمٍ أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي. أما الخصال الثلاث فهي: الحياء والأمانة والصدق.

البحث عن طرائق للخروج من تلك الأزمة يتطلب معرفة النقطة التاريخية التي شهدت بداية افتقاد الفاعلية الحضارية، وهو يتطلب توصيف المنعطف التاريخي الذي بدأ فيه سريان الضعف والبعد عن منظومة القيم المعبرة عن رسالة الإسلام الحضارية. ويبدو تحديد تلك اللحظة التاريخية مهماً، من أجل بناء التصورات التصحيحية والمسار المناسب لمعالجة الأزمات الناتجة عنها. ورأى الأفغاني أن أزمات الفكر الإسلامي كانت مع بداية انتشار النزعة الغنوصية- الباطنية داخل المجتمع المسلم. وهي مدرسة فلسفية ازدهرت في بلاد فارس، وطبع التشيع الفارسي بطابعها. وكان للأحداث السياسية في عهد الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب دور في توظيف هذه النزعة داخل الفكر الإسلامي.

واعتبر جمال الدين الأفغاني الباطنية المادية للفاطميين بداية الانحطاط وسببه في التاريخ الإسلامي، فعلى حين يذهب بعض المؤرخين أن بداية الانحطاط في سلطة المسلمين كان منذ الحروب الصليبية يرى الأفغاني أن الأنسب أن يقال إن ابتداء ضعف المسلمين كان من يوم ظهور الآراء والعقائد البشرية (الدهرية) في صورة الدين وسريان السموم القاتلة في نفوس المسلمين. بل إنه يذهب إلى أن الهزائم التي لحقت بالمسلمين أمام الصليبيين، كانت نتيجة العقائد الباطنية التي أشاعها الشيعة الإسماعيلية في عالم الإسلام. فهذه العقائد جسّدت نوعاً من الغنوصية، ظهر في القرن الرابع الهجري، وأطلق عليه الأفغاني اسم (الطبيعيون الدهريون) وظهرت في مصر تحت اسم الباطنية وخزنة الأسرار الإلهية، وانتشرت دعواتهم في سائر البلاد الإسلامية وبخاصة في إيران. ولعل أخطر ما يلقيه مرشدهم على أتباعه هو أن الأعمال البشرية الظاهرة كالصلاة والصوم ونحوها، إنما فرضت على المحجوبين دون الوصول إلى الحق، والحق هو المرشد الكامل، فحيث أنك وصلت إلى الحق فلك أن تلقي عن عاتقك ثقل الأعمال البدنية.

ومنهج الاستدراك يتقاطع مع وعد الخلاص النهائي لدى أصحاب النزعة الباطنية الشيعية، كحل للخروج من الأزمة. فالاستدراك هو محاولة لتحليل الأزمة، سعياً إلى أسبابها الحقيقية ومحاولة إعادة طرح الأفكار المؤسسة برؤية جديدة تناسب واقعها. أما وعد الخلاص، فهو إرجاء لها في انتظار المخلص. فهي تعتمد أساساً على الوجدان، على حين أن الاستدراك يعتمد على الشرع والعقل والعمل من أجل التغيير باعتبار أن الأفكار تفقد معناها من دون عمل. فالاستدراك هو اشتباك مع الواقع ومشكلاته.

وتناول الأفغاني العلاقة بين الأفكار والأعمال وبين الفكر والمادة، فرأى أن الملاحظة (الشهود) تحدث فكراً، ثم يعود الفكر إلى التأثير في العمل والواقع، ثم تستمر علاقة التأثير المتبادل بينهما، ليحدث التغيير المستمر في الأشياء.

فالنزعة الغنوصية تستند إلى ما يسمونه خلاصاً ذاتياً يعتمد أساساً على المجاهدة الفردية، وصولاً إلى التقدم والارتقاء الذي يتجسد في الفناء المطلق. وهو توجه ديني لا يقوم على العقل والشرع، إنما على الإلهام والفيض. كما أن العمل ليس سبيلاً للتقدم والارتقاء، فالسلامة هبة لا علاقة لها بالعمل وكذلك المعارف لا علاقة لها بالاكتساب والمعارف. والنزعة الغنوصية في التاريخ الإسلامي هي أحد أهم العوامل التي رأى الأفغاني أنها انعكست سلباً على مسيرة الفكر الإسلامي ومساهماته الحضارية. هذا بجانب ما تطرق إليه من عوامل أخرى. فالنسق الحضاري على قدر تكوينه المركب والمتداخل، يصعب فهمه من خلال منظور أحادي وإغفال الأبعاد الأخرى. بالطبع تتمايز الأسباب في ما بينها، من حيث درجة الأهمية وقوة التأثير والفاعلية التاريخية، بحيث نجد أن أزمة ما تنتهي بسقوط نظام سياسي ما ويتلاشى تأثيرها مع الوقت، في حين أن أزمات أخرى يتجاوز تأثيرها حدود عمر الأنظمة السياسية المتعاقبة بل العصور. وهذا ما نجده في الفكر الذي انبعث بالتشيع للخليفة الرابع علي بن أبي طالب وتراوح تأثيره في التاريخ الإسلامي بين القوة والضعف والظهور والسرية، ولا تزال انعكاساته حاضرة بقوة في عالمنا المعاصر.