بلاغة الفقد في شعر مروان علي

راسم المدهون |

في ديوانه الجديد «الطريق إلى البيت» (دار المتوسط) يمضي الشاعر مروان علي مع ذاكرته حتى أقاصي حلمها حيث الألفة برقٌ يلمعُ ولا يختفي، وحيث الحياة ذاتها تتأمل صورتها في مرايا المخيلة لتراها أجمل وأكثر حقيقية. سأقول أنه كتاب بيوت تبحث عن طريق يبحث هو ذاته عن بيوت ليستعيدها لا ليسكنها ولكن ليرى صورته فيها. يتكىء مروان علي على بلاغة الفقد في تجوالها العسير، المثقل بتفاصيله في براري الوحشة، إذ تؤثث آثارُ أقدام على رمال بعيدة وجوداً ما يكفي ليكون حياة كاملة بكل ما يعصف فيها من حب ومن لوعة ضياعه، ومن جموح التأمُلِ في اللحظة التي تتمددُ في الوعي كأنها الدهر كله: «المسافةُ / بين نافذتكِ وبيتنا / شارعٌ صغيرٌ / وشجرةُ سرو / مشيتُ سنوات / حتى وصلتُ إليها».

في «الطريق إلى البيت» تنتخب ذاكرة الشاعر مشاهد وأمكنة تتجوَل فيها مخيلة الشعر وتستعيدها كأوراق تحمل عناوين محطات وأزمنة متباعدة لعلها، إذ تتعدد وتتباعد، تعود كل مرة إلى الطفولة التي تبدو لنا نقطة ضوء بعيدة تأتي منها الصور والحكايات والأسماء الأولى بما هي ولع بالبدايات وما تحمله من بكارة مضمخة بشجن خاص، أثير وعصي على الزمن والترحال الطويل في المدن الغريبة. ليس على البيت أن يشبه الطريق إليه، وهو في قصائد مروان علي هذه أشبه بأرجوحة تطل على تعب الرحلة حين يعصف بنا الحنين إلى بداياتها فلا توصلنا إلا إلى حنين عاصف لا يلبث أن يتناسل شجناً باذخاً. هي لغة شعرية تقارب أن تكون صدى فنياً لإيقاع الرحلة الطويلة، رحلة الحياة ذاتها والتي يكثفها عنوان القصائد «الطريق إلى البيت» بما يضمره هذا العنوان من ثنائية البيت والطريق حيث الرحلة عوالم وأزمنة تزخر ببشر وأحداث وعلاقات حب بكل ما تحمله تلك المفردات أيضاً وما تحيل إليه: «صعدت إلى أعلى نقطة / في أمستردام / ولم أرَ شيئاً / من عتبة بيتنا الطيني / في كرصور / كنت أقف على رؤوس أصابعي / فأرى العالم».

تجربة مروان علي الشعرية تعتني بحضور الفردي بما هو علاقة وشيجة مع العالم الخارجي. هي مرآة الصوت والصدى لعلاقات ووقائع إنسانية تحيط بنا وتأخذنا غالباً نحو مآلات لا نختارها، والشعر هنا يختار لصورته أن تكون لوحة مرَة ومشهداً له حركيته مرات أخرى، وفي الحالتين نلحظ مركزية الصورة الشعرية وحيوية حضورها. هو ابتعاد بين عن مسار الشعر السوري الجديد الذي يتكىء في تجارب كثيرة منه على حضور واضح للأيديولوجيا،

إذ تنحاز تجربته لمواجهة عصف الألم الداخلي وما يحمله ويؤسسه من بلاغة جمالية تذهب إلى فضاء آخر له مفرداته، بل له مناخه الشعري المختلف بكل ما يرتبه الاختلاف من خيارات فنية فيها حضور كثيف للحزن كما للحب البعيد كأنه حب يرادف الطفولة التي تحضر بقوة وفي صورة دائمة– تقريباً– في قصائد الكتاب وتجعلها قصائد شجن فردي في مواجهة الألم والحنين مثلما هي قصائد حب تأخذ صوراً بالغة التكثيف: «الأزهار الصغيرةُ / في أطراف تنورتكِ / القصيرةِ / من أثر لمسة قديمة / فوق الركبة بقليل»

يكتب مروان علي في ما يشبه رهاناً على شغفه بالأماكن التي تحضر كحياة كاملة مسكونة بصور لها تناقضاتها مثلما لها وشائجها مع الذاكرة والمخيلة معاً، وهي حالة الشعر إذ يحدق في صورته وصوته.