عصام أبو زيد شاعر في خيمته الافتراضية

أشرف أبو اليزيد |

ربما أغوتنا، بداية، مجرة الأسماء الكوكبية في متون قصائد ديوان عصام أبو زيد «أحلام مورغان فريمان» (دار بتانة) ليصبح حضور مورغان فريمان مجرد اسم آخر؛ وأن تفسيره يعني أن لكل منها تفسيراً مغايراً، وإن هي إلا لعبة من بين ألعاب كثيرة يلهو بها الطفل الشاعر، لتسرية وقت الشعر وسطوره. لكنني رأيتُ ما هو أبعد من ذلك، لأنني بعد تجاوز الغلاف، وجدتُني أمام الكائنين الأولين للبشرية؛ آدم وحواء، وكأنهما هنا ليعيدا صياغة الحياة مجدداً، فأنا أمامهما وقد هبطا من الفردوس إلى الأرض لينغمسا في موبقاتها اليومية، وقد باتا يقلبان الشرائط التي عاشتها البشرية ليعرضا منها لقطات مصورة، حرة وحية وساخنة، مثيرة للدهشة والألم، باعثة على الضحك والبكاء، تحمل المتناقضات التي اقتات منها والدا البشرية، وهما يمضيان الوقت بين عناق وعراك، بحروفية تعبير عصام أبو زيد نفسه.

ربما لم يقصد عصام أبو زيد ببشرته السمراء ومداعباته الباسمة أن يتماهى شكلياً وعملياً مع الساخر الساحر مورغان فريمان، ولعله لم يقصد اختزال البشرية إلى معامليها البشريين الأولين كما تفعل معادلة في الرياضيات؛ موجب وسالب؛ آدم وحواء، بل لعله لم يتقصّد إلى ذلك التفسير برمته، لكنني أسمعه يقول إن القارئ ربما يأتي بما ليس يفكر فيه الشاعر، وأضيف: ويكون حقيقياً.

دعوني أصف لكم عصام أبو زيد على لسانه؛ الذي يتجسّد هنا على لساني شخصيتيه الوحيدتين؛ كي تحكموا معي: «أنت لا تفهم أنني غيرتُ حياتي/ قمتُ بعمل جريءٍ وترجمتُ حياتي إلى لغة أخرى/ وفي تلك اللغة لا يعني هروبك شيئاً/ وحتى احتمال عودتك/ تشير إليه كلمةٌ واحدةٌ/ كلمةٌ مشتقةٌ مِن تفاهة الوجود/ أنت أصلاً غيرُ موجود». (42) «هل تعرف معنى أن تموت برصاصة خضراء؟ يعني أنك - يا حبيبي - أصبحت قديساً/ وأن جسدك الشهي - أبداً - لن يلمس الأرض». (43) «أنا جميلٌ، وأنتِ تشوهين جمالي» (63) «أنا مجموعةٌ مِن الخرافات».

ثم ها هو مورغان فريمان، يتجلى بشحمه ولحمه، وعصام نفسه يركب السيارة ذاتها معه: «كنا... أنا ومورغان فريمان/ في السيارة القديمة/ المخصصة لنقل الأحلام/ بين القرى والمدن»... «حاولتُ كثيراً أن أغير مكاني - في السيارة - مِن مقعدٍ إلى آخر/ ولكن بلا جدوى/ وظل مورغان يتابعني غاضباً بعينيه/ بينما البقعةُ في مكانها/ ترفض أن تغادر... نسيتُ أن أقول/ إننا كنا في طريقنا/ إلى الشارع الأزرق/ مورغان سبقني واخترق قلب الزحام/ بينما بقيتُ أنا/ أراقبُ بقعة الضوء فوق حذائي/ وأبتسمُ في خبث. (84-85)

لا أحب أن أعبث بالنصوص الشعرية، فأقتلعها من مكانها، كما يقتلع مدمر عينين من محجريهما، لأن تكوين القصيدة عصي على الترتيب، فقد رتّبها الشاعر وفق الخرافة، التي لا تستقيم في سياق منتظم، فالقصيدة ليست إنساناً آلياً، وإنما هي جسدٌ يستحم، وعليك أن تراقب القطرات وهي تأخذ طريقها عبر الثنيات، فتتابع الماء، ولكنك تتلمس بصرياً في الوقت نفسه جسد القصيدة اللدن، والشهي، والطازج، والشقي أيضاً. لا يمكنك أن تمضي في الحديث من دون أن تتكئ على معجم الإنسان الذي ابتكره الشاعر، وربما لتبحث عن السر وراء هذا المنحى اللغوي.

يأتي شاعرُنا من صعيد مصر حيث يحكي لنا- خارج الديوان- عن تغيير جذري نالَ من الحياة اليومية الطبيعية والمشبعة بالروح المصرية التي تعشق الجمال والفن، لتتحول مدينته ومسقط رأسه إلى بقعة جغرافية أرهقتها الهجرة العكسية من الصحراء. لم تكن الصحراء نفطاً مقابل الغذاء، وحسب، وإنما كانت إزاحة للأخضر واليابس معاً في الأرض الأصل (للشاعر ديوان يحمل عنواناً لافتاً كأشقائه: «الحياة السرية للمجنون الأخضر» 2014)!

وهو- الشاعر- يأتي من تلك البقعة الخضراء على وادي النيل ليسكن على مرمى جبل من الربع الخالي في الجزيرة العربية، حيث لا نيل، ولا ناس، ولا حياة غير التي يخترعها، وهو ما أصبح عليه حتى أنه كتب ديوانه «اخترعتُ برتقالة» (2015). ها هو يقيم هنا... وحدوده تلك الكائنات الصحراوية، التي ألزمته أن يخترع خيمة، لتصبح واقعه البديل، وليعيش فيها عالماً مغايراً. هذا العالم المغاير يضج بالألوان، بعيداً مِن أحادية بالية الألوان خارجه، وتهدر فيه الحياة نائية عن الصمت خارجَ خيمة لا يؤرق أذني ساكنها غير صوت الريح. هنا ستعزف له الميوزات، وستأتيه الملهمات، وسيتحدث بحرية ويتناول ما لذّ وطابَ من شرابٍ، ويصغي إلى موسيقى لا تتوقف، وسيفتح ألبومات الكون، وسنقرأ له معجماً عن الغناء والمطربين والمطربات، وستتحول هذه الخيمة الافتراضية المنعزلة عن فضائها إلى مجرّة، فيها مفردات النجوم والكواكب، وسيسافر في باطنها بين ألف مدينة ومدينة، وسيحلق في سمائها منشرحاً، حتى أنه سيبدأ بالرسم الافتراضي؛ والحديث غير المؤطر بسياقات مستهلكة: اتصلتُ عليكِ ولكنَّ البيانو كان مغلقاً/ كلّمتني الموسيقى وقالت إنك مشغولة/ حملت إبريق الشاي على كتفي/ وكان فارغاً/ وأخبرني الماءُ أن البيت مهجور/ وهكذا أفقد نفسي وأنا أشتاق إليكِ» (89). وإلى جانب معاجم الموسيقى، ومع قواميس الطرب، وبعيد موسوعة الكواكب، وتحت سماوات المدن، وعبر ألبوم اللغات، سيتحدث الشاعر المتخم بأساطيره الشخصية، والمترع بأحاجي العالم، فإذا به يلهو في أوقات فراغه برواية ما تيسر من ألغازه المبتكرة، حتى تلك المتعلقة بالقبلة: «قبلاتي إلى ذيل ضحكتك الحلوة/ قبلاتي إلى حبة المانجو/ الوحيدة في يدك/ لا تأكلي المانجو يا حياتي/ أخشى أن تتوجع شفتاك» (94)؛ «شفتاي في الصيانة، ولا يمكنني الآن تقبيلُك». (104)

تلك هي قصيدة عصام أبو زيد؛ قادرة على إحضار كل شيء، وربما هدمه في اللحظة التالية، ليؤسس ما بعد البناء، الخيال. وأياً كانت السيارة التي يقودها مورغان فريمان؛ أو عصام أبو زيد، وسواء كانت وردية أو مصنوعة من خشب الأبنوس، كما بدت سيارتان في الديوان، فهي تعبر الآن «الشارع الأزرق»، تحت أكثر مِن سماء، تراقب البشر، بينما تتابعها العيون في مسارها الافتراضي نحو كوكب آخر، أو ربما ديوان مقبل.