«بريد» هدى بركات لا يصل أبداً

أحمد المديني |

اسم هدى بركات يسبق عنوان إصدارها الجديد «بريد الليل» (الآداب، 2017). وحين يصبح للكاتب رصيد، شأنها، يغدو الاسم مكلفاً، ففي جعبة بركات روايات ذات قيمة فنية معتبرة في مضمارها، نحصر منها: «حارث المياه» (2001) و «ملكوت هذي الأرض» (2012) خصوصاً. تعني الكلفة ما يمليه الرصيد على صاحبه، مع كتابته ومعشر متلقيه، من البرهنة على استمرار إمساك زمام قلمه، والقدرة على الإتيان بمزيدٍ يُشبع الفضول إلى متغير وليس استزادة كلام، كيفما اتفق، وبخاصة في زمن أدبي عربي أضحت فيه الرواية مشاعاً.

في «بريد الليل»، تلبّي هدى بركات الفضول، بالتسمية أولاً «بريد»، وبكيفية بناء أو صنع مادة هذا البريد، ثانياً، ومنوال سرده، فنحن كما يعيِّن الغلاف مع ميثاق (رواية)، ثالثاً، وبوضع نسق (ما) للرواية ضمن النظام العام الذي يختص به جنسُها الأدبي، هذا إذا افترضنا أن هناك فعلاً نية اختراق لدى الكاتبة للنمط التقليدي الذي اعتادته. نعلم أنه سبق لها تجربة تأليف يُصنّف في خانة أدب التراسل «رسائل الغريبة» (2004) بثّت فيه أشجانها وخطّت في نقاها تأملاتٍ ومشاعر كائن منشطر بين اغترابه وجذوره، بيد أن تلك من نوع النص الحرّ. وما بين أيدينا حديثاً «بريد» يتسمّى بمعناها، ويقترن بجنسٍ اسمُه الرواية، أي يشترط بفنّه.

يتكوّن «بريد» هدى بركات من خمس رسائل مسدّدة، متفاوتة الطول، متباينة المرسل ومتقاربته في آن. ويتوزع كِتابُها على ثلاثة أقسام، الأخير خاتمةٌ قصيرةٌ جداً تقدم لحظة التنوير في السرد الكلاسيكي. ترتبط جميعُها بقرينة علاقة غير سببية بين مرسليها، هي الحبكة المعتمدة لنظمها في السلك الروائي، بعِضُدِ تيمات متساندة، وإن كان هذا لا يكفي. الرسالة الأولى من شخص، رجل، إلى امرأة، حبيبة، هي رسالته الأولى يستدعي فيها أوقات عيش وعاطفة مشتركة، ويبثها ضجره، يقدّم معلومات عنه: فقدانه الصلة مبكراً بأهله، زوال محتده، إقامته في غرفة بائسة بوضع مادي معدم، ويعاني من بارانويا أحد يراقبه دائما (مخبر، استخبارات)، همه استحضار مقاطع من ماضي عمله عند عسكري انقلابي فتح جريدة ليعلّم أصول الديموقراطية، عاش بلا أوراق مهاجراً سرياً، قنصلية بلده ترفض تجديد سفره، اشتغل مروِّج مخدرات ومعارضاً سياسياً، يبحث عن أرملة يقترن بها ليحصل على الأوراق ثم الجنسية (مستنسخات).

الرسالة الثانية، تبعثها سيدة إلى «الحبيب»، وهي جالسة في غرفة فندق إثر موعد مضروب بينهما بعد فراق طال. في الانتظار تكتب إليه رسالة (لأملأَ انتظاري) وهي مقتنعة بأنه لن يحضر(!) بدورها تستدعي ماضيهما معاً: «ما الذي كان بيننا؟ ما الذي بقي مما كان بيننا؟ ولماذا قد تأتي، ومدفوعاً بأيّ شوق لتلك الأيام القليلة؟»(45) وتترى خواطرها وبوحُها وتساؤلاتها في تداعيات متقطعة. وفي النهاية، لا يأتي الحبيب، فتقرر أن تبحث عنه لتجد: «أثراً له في باريس. وسأعرف إن كان عاد إلى بلده بعد الثورة التي قامت هناك»(!). الملفت أن هذه السيدة تعثر في غرفتها على الرسالة الأولى، خصائصها أنها ناقصة، بلا خاتمة، مَروِيُّها لا يشبه حكايتها وإن أحست كأنها نفس المرأة التي يتكلم عليها، بما يخلق التباسا مقصودا من الكاتبة أنها ذاتُها، المهم أنه يصنع عندها قرينة الربط بالسابق.

الرسالة الثالثة، أسمّيها «اعترافات ولد لأبيه». فالرسائل تتسّم بنبرة اعترافية (كنسية) تلتمس بطبيعتها الصّفح. يدوِّنها كاتبُها من مطار ما، يسميه البرزخ، أي محطة عبور، متسائلا اولا هل ستصل إلى أبيه، وهو يبثّ أوجاعَه وحنينه إلى أمه، يتذكر حضور قوة غاشمة اعتقلته في بيتهم ليس بسبب الحشيش ظنَّ أمه، ويسرد لها/ لنا ما سامه من أنواع تعذيب وإذلال فوق الاحتمال من العساكر ليعترف بما لا يعرف، بأسماء وصور نمطية مبذولة في روايات «الربيع العربي» حدَّ الإسفاف. بعد مساومته ينقلب بدوره إلى جلاد، ينادَى ب «سيدي» و»يرهب الخليقة»، إلى أن وقعت واقعة «الربيع» فأفلح في الهرب واختلط بالثوار، انتقل معهم إلى المعارضة، منها تسلل مع العابرين إلى البحر، علينا أن نخمِّن كثيراً مع هذا المتن الترسُّلي فنملأ بياض مجهوله (المعلوم) ترجُح كفةُ غرضيتِه في الميزان. يخبرنا محكيُّ الرسالة على لسان الهارب عن محطات وجوده في بلد الهرب(؟) وشقائه وجوعه في المخيمات ورفقته مع هارب مثله من ألبانيا، إلى أن عطفت عليه سيدة حيث يوجد، نقلته إلى بيتها، عاشرها إلى أن تقزز من عمرها ووضعه برفقتها فسرق مالها ومصاغها بعدما قتلها ليلوذ بالفرار ويلقى عليه القبض في المطار. تلي الرسالة الرابعة بمثابة اعترافات أيضاً من سيدة إلى أخيها، تحكي في سياق خواطر وتفجّع ومن قبيله، علينا أن نأخذ منها قصتها الشخصية، نمطيةً مرة أخرى، مغادرتها بيت العائلة بعد طلاق وهجرتها إلى بلد ما، تاركة ابنتها في حضن أمها، وما عاشته في بلد المهجر، يرجح أنه في الخليج العربي، وتقلبت من مهن ورذالة إلى أخرى، لتعيل من تركتهم هناك، وصولاً إلى الكشف (اللازمة) عن الرابط مع الحكاية السابقة، إذ تعثر السيدة وهي تجلس على مقعدها في الطائرة على ورق ممزق في ثنية كرسيها، فتكتشف الرسالة التي كتبها القاتل الذي لم يرسل بريده، يتضمن اعترافه، قد أنزلته الشرطة من الطائرة مصفّداً.

ما سيلي بعد ذلك ملحقات تكميلية، زوائد جاز تضمينها في مَظنِّها الأصلي من محكيها، تدلت زعانف وتمطيطاً، أو يستأنس بها لمن يستهويه شرك أن «بريد الليل» رواية تقليدية تحتاج إلى إشباع فضول قارئها من البداية إلى النهاية، وهو ما لا تبخل به الكاتبة، الخبيرة بمقتضى هذه المسطرة مسايرة لـ «أفق انتظار القارئ» فتصنع له نهاية كلاسيكية. وعلى رغم أنها تظاهرت بنبذ نسَقها في شكل عام، استعارت منه فقط النوع التراسلي (Epistolaire)، وهو تراث ومتواتر في فن الرواية، لتنتهي بنا إلى خاتمة «البوسطجي» المتعطل بسبب الخراب الذي عمّ بلاداً هاجر ناسها، منهم كتّاب الرسائل، ولمّا تعذر توزيعها عكف يقرأها: «صنعت منها ما يشبه الفهرس، وجمعتها في ملفات بعناوين واضحة، ووفق تواريخها. فربما عاد إلى هنا أناسٌ وموظفون يريدون توصيل الرسائل إلى المرسل إليهم» (126). صنيعُهم جميعاً كتب بدوره مخافة الموت، رسالته، لتبقى إلى جانبه من يدري قد يصل أحد غداً إلى مركز البريد.

هكذا يغلق «البوسطجي» الدائرة التي فتحت بكلمات الرسالة الأولى، ينتقل سرها إلى الثانية، وصولاً إلى الخامسة الأخيرة، على أن العبارة الأخيرة في النص تترك شقاً مفتوحاً لإيصال الرسالة. هذه الحبكة/ اللعبة تبدو للوهلة الأولى وهي تخرج الرواية، نقول، جدلاً دائماً، من النسق الكلاسيكي، مستنبتة منه بدءاً كضمان البوليفونية في الرواية التراسلية، وانتقالاً إلى صعيد صنعة تجريبية بنزوع لتنويع الشكل، تغريب التناول، التأرجح بين السرد والتداعيات وتراوح بين حكاية الواقع والإيهام به، وطرح الشخصية ونقضها، وتمويه المكان، وتعويم الزمن. يُعرض علينا نص مبني على التجريد، وليس على التشخيص والوصف والتعيين، لا يتسمّى فيه أحد ولا شيء: لا اسم للمرسل، للمرسل إليه، لعنوان البريد، ما يتعارض كلياً مع قواعد النوع ( يُنظر ريشاردسون، لاكلو، يورسنار). بلاد، فندق، مطار، أب، أم، عسكر، هجرة، مقابل فيض تباريح والتفكير بصوت مرتفع لتعبئة خطاب رسولي، يعاضد نبرة الاعتراف، ذاك، ورسالة الكتابة عن موضوع الساعة.

إنها الكتابة «الأليغورية» عن خراب بلد في شرق المتوسط، عن استبداد نظامه وممارسته، ما نجم عنه من ويلات الهجرة والتشرّد، والرسائل بكتابها، شخصياتها المزعومة، وما يفترض أن يقدم تجسيداً للموضوع، صار تيمة معتمدة في الرواية خلال السنوات الأخيرة بإفراط. الرهان ليس على التيمة، وإنما معالجتها، في صلب روائيتها

. وقد اختارت هدى بركات، التي لم يفارقها أبداً إحساسها بالانتماء إلى حرائق وطنها ومنه اعتناق جراح الإنسانية المفتوحة، أن تدلي بشهادتها، وتحدد موقفها. لا جرم جهير وحاسم في عملها هذا، قابل أن يُحوّل إلى بيان (مانفستو) إذا أنت نزعت عنه قناع لعبة التراسل التي تقوم مقام (القول المختلف) وتُسوِّغه، أي الأليغورية، التي تتكفل بتقديم فكرة مجردة، تلك. ليكن، رغم أن هناك تباينا للرأي في هذا الاستخدام، وسيبقى. فإذ حبّذها رونسار في الشعر، فقد اعتبرها ديدرو، بعدما اختبرها ببراعة بصوت أحادي في»الرسائل الفارسية» لغاية سجالية وهجائية: «المصدر العادي للعقول العقيمة». أقول، سيبقى ما بقي الأدب، وهنا يمكن أن أسمع تصفيقاً، من جهة، وصفيراً من جهة معاكسة. ليس من عادتي الحكم على النصوص، ما لا يمنعني من السؤال عن مفهوم الأدب، فناً ونظاماً، والرواية اليوم مهمازه، وأنا لا أخاف من انهيار قواعد التلقي الكلاسيكية القمينة بالأدب، ولكن من اللعب خارج الملعب، إذاك يبطل اللعب جملة وتفصيلاً. أحسب هدى بركات تعلم الفرق جيداً بين الوضعين، ومثلي قلقة، لذا إذ انتهيت من هذا المقال، لذت سريعاً، بصفحات من» الرسائل البرتغالية» تلك، لأتغذى من نقاء الجذور.