الإعلام لاعب غائب - حاضر في انتخابات الرئاسة المصرية

القاهرة – أمينة خيري |
أحد شوارع القاهرة. (رويترز)

الجميع يصرح ويحلل ويتحدث ويسأل عن مواضيع فرعية ولاعبين ثانويين وتفاصيل هامشية. الهيئة الوطنية المصرية للانتخابات تعقد المؤتمرات، وتعلم عن الجداول الزمنية المقررة لانتخابات الرئاسة. مواعيد صارمة تحكمها الساعة وتهيمن عليها الدقيقة وتدلو فيها الثانية بدلوها. نواب البرلمان هبوا عن بكرة أبيهم، يملأون استمارات التزكية ويوقعون طلبات دعم فلان درءاً لترشح علان. يبتسم رئيس البرلمان للكاميرا وهي تلتقط هذه اللحظة التاريخية وهو يذيّل استمارته بالتوقيع. أشخاص يفكرون في الترشح، وآخرون كانوا يفكرون ثم عدلوا، ومجموعة ثالثة تنتظر ما ستسفر عنه الأيام، والجميع يجهل أو يتجاهل اللاعب الرئيس والموجه والمتحكم الأول والأخير في المسألة برمتها ألا وهو الإعلام القديم منه والجديد، التقليدي والحداثي، الحيادي والانحيازي.

انحاز شعب «فايسبوك» وسكان «تويتر» إلى مرحلة ما بعد الترشح. الغالبية المطلقة باختلاف انتماءاتها وتوجهاتها وتحزباتها قررت التعامل مع الانتخابات الرئاسية في مرحلتها شبه النهائية. أثير الشبكة العنكبوتية عامر بشتى أنواع البرامج الانتخابية، والمعايير السياسية، والانحيازات الأيديولوجية، والتحليلات العنجهية.

ومنذ طفت على سطح الحياة السوسيوسياسية في مصر خلال الأشهر الأخيرة جماعات ومجموعات من «مواطنين» قرروا دعم الرئيس عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية المرتقبة خلال السنة الجارية، وفي أقوال أخرى إجباره على الترشح في حال أعلن عدم توافر النية، تنبه الجميع إلى أن البلد على أبواب استحقاق انتخابي وشيك.

ولأن البعض كان على وشك نسيان بند الانتخابات والمضي قدماً في مصارعة تفاصيل الحياة اليومية العادية، ظناً أن البلد بات في أمان نسبي وأن الحياة تسير في هدوء ظاهري. لكن أثير الشبكة العنكبوتية تفجر حراكاً وانتفض حماساً مع هذا المرشح المحتمل وضده، ودعماً لهذا ودرءاً لذاك، وكأن السباق الانتخابي انطلق من دون هوادة.

المتابع لتدوينات «فايسبوك» وتغريدات «تويتر» على مدار الأيام القليلة الماضية يشعر أن الانتخابات الرئاسية قد بدأت والنتائج أوشكت على الصدور. لكن التقارير الإعلامية في وسائل الإعلام التقليدية داخل مصر وخارجها والتي تناولت قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات، وفندت توجهات الجهات الرسمية وتكهنت بردود الفعل الشعبية، تذكر الجميع أن الحرب الدائرة على هذا الأثير ليست إلا حرباً افتراضية لانتخابات لم تحن بعد، ولمرشحين لم يكتملوا بعد، وبرامج لم تكتب بعد.

الحروب، وكذلك التحزبات والتوجيهات والتوجهات، الافتراضية ستؤثر حتماً وبقدر هائل في مسار العملية الانتخابية التي لم تبدأ بعد، وفي نتائجها التي يرى البعض إنها شبه محسومة. أفراد ومجموعات على متن «فايسبوك» تنشر على مدار الساعة تدوينات تدعو بعضها بالتوفيق للرئيس عبد الفتاح السيسي في الانتخابات المقبلة، في حين دعا البعض إلى الترشح بحجة أنه وحده ولا أحد غيره قادر ومؤهل ومسموح له خوض مضمار السباق.

الصورة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي هذه الآونة صنعها أحدهم لمجموعة من الرجال الملتفين حول الرئيس السيسي لتحيته. لكن كلّ الرجال يحملون وجه الرئيس. الطريف، أن مؤيدي الرئيس بشدة ومعارضيه بشدة، يستخدمون الصورة ذاتها في الكثير من تدويناتهم، إما للدلالة على أن «مصر كلها مع السيسي»، أو للبرهنة على أن أحداً لم يجرؤ على الترشح أمامه لأسباب سياسية وشعبية. ومن وجهة النظر السياسية، فإن كتابات المعارضين والمشككين تشير إلى أن كل من ستسول له نفسه التفكير في الترشح سيجد نفسه «لابساً» قضية أو متهماً في مسألة أخلاقية أو مهدداً بشيء اقترفه في وقت ما في مكان ما. أما الوجهة الشعبية تتمثل في أن قطاعاً لا يستهان به من الشعب يرى أن أحداً لا يصلح لرئاسة مصر في هذه المرحلة الصعبة إلا الرئيس الحالي. وتتراوح سبل التعبير عن هذه القناعة عنكبوتياً بين سرد الحجج والبراهين أو التشكيك في قدرات الآخرين أو السخرية من مرشح محتمل لم يسمع عنه أحد أو الطعن في غيره لأنه أتى بحركة خارجة في فعالية سياسية احتجاجية قبل أشهر.

وعلى مدى الشهر الماضي، نجحت «هاشتاغات» ترتبط بانتخابات الرئاسة المصرية في تتويج نفسها على رأس الـ «تريند» ليوم أو أكثر. «الرياسة المصرية»، «السيسي»، «علشان تبنيها»، «دعم مصر»، «خالد علي»، «أحمد شفيق»، «حمدين صباحي»، «السادات»، وغيرها من «الهاشتاغات» تذهب وتجيء، لكن تستمر التغريدات على مدار الساعة عن الانتخابات الحقيقية «الهزلية»، «الديموقراطية» «الديكتاتورية»، «الواقعية» «المسرحية»، التي «لا يصلح لها إلا الرئيس» التي «لا يصلح لها الرئيس» كلّ وفقاً لتوجهاته. والنتيجة تكون إعادة تدوير لما يرد على أثير الشبكة العنكبوتية في الشارع، تارة بنشر معلومات غابت عن برامج التلفزيون وأخرى ببث تحليلات ومواقف وآراء وربما أيضاً إشاعات تساهم هي الأخرى في تشكيل المواقف التي ستعبر عن نفسها في لجان الانتخاب في آذار (مارس) المقبل.

ويقبل الملايين على متابعة الإعلام التقليدي متمثلاً في المقام الأول في برامج «التوك شو» والبرامج الحوارية على شاشات التلفزيون، إضافة إلى برامج الإذاعة التي باتت تنافس كلّ ما عداها من وسائل الإعلام التقليدي وغير التقليدي، بحكم الساعات الطويلة التي يمضيها شعب مصر على الطريق مجتازين أزمة مرورية للدخول في أخرى، وهكذا.

كما يطالع البعض الصحف المصرية سواء عبر مواقعها العنكبوتية أو بشرائها ورقياً. هذه الوسائل التقليدية تبث هي الأخرى خطاباً معبئاً بالتوجه، معبقاً بالتأييد، وفيه قليل من الانتقاد. أصوات خافتة تنتقد خلو الساحة من المنافسة، وتلمح إلى تضييقات مرتقبة أو متوقعة أو متحسبة قد يواجهها من يفكرون في خوض المضمار.

وعلى رغم الأصوات العالية، والسبل المختلفة، والسمات المتراوحة، والمحتويات المتنوعة التي تحفل بها الشاشات والأثير الإذاعي والصفحات الورقية، إلا أن الرسالة الإعلامية الصادرة تكاد تكون متطابقة.

ولأن الأجواء الإعلامية المحلية التقليدية تبدو متشعبة وتظهر وكأنها متنوعة، إلا أن حديث الشارع في اليوم التالي يحمل صدى واحداً في ما يختص بأجواء الانتخابات المرتقبة وتوقعات الأحداث المحتملة. الإعلام يدعم الرئيس في شكل أو آخر، ومن ثم فإن الصدى في الشارع يتأرجح بين اعتناق هذا الدعم أو نبذه، كل وفقاً للخلفية والتركيبة والأيديولوجيا المسبقة.

الأيديولوجيات المسبقة للمصريين والتي ظهرت معالمها وبدت عبر الإعلام غير التقليدي على مدار السنوات السبع الماضية، تتراوح بين إسلاميين اعتنقوا فكر «الإخوان» أو جماعات الإسلام السياسي فنصروها ظالمة أو مظلومة، وغير إسلاميين يتراوحون بين يسار الاشتراكية ويمين الرأسمالية، أو فئة لا تعنيها السياسة كثيراً وإن كان الاقتصاد وظروف المعيشة دفعتها إلى الارتماء في أحضان هذا التوجه أو ذاك. وتُعرف هذه الفئة مصرياً بـ «حزب الكنبة» وهو مصطلح ظهر بعد «ثورة يناير» يُقصد منه القاعدة الشعبية العريضة من المصريين غير المسيسيين والجالسين على الكنبة، وهو الحزب الذي دخل بكل قوته في السياسة بالثورة على حكم الإخوان.

ولكن الفئة الأخيرة شهدت تخلياً عن «الكنبات»، لتتوجه نحو اعتناق أيديولوجيات جديدة، إلا أنها كانت في حقيقة الأمر استجابات شعبية لتعبئة إعلامية بعضها تقليدي والبعض الآخر عنكبوتي.

ولعل أحدث هذه الوجهات اتضحت معالمه في «قصة الفريق أحمد شفيق» المرشح الرئاسي السابق الخاسر، والذي كان محتملاً ثم تحول إلى مرشح غير محتمل. عودة الفريق شفيق من الإمارات إلى القاهرة رحلة شابتها معلومة واحدة، واندرجت البقية تحت خانة التكهنات والتحليلات والتوقعات إعلامية. وتُرَك الأمر في نهايته للمتلقين لانتقاء ما يناسب توجهاتهم، واعتبار التكهنات «حقيقة». ولعب الإعلام بجناحيه التقليدي والحديث دوراً بارزاً في نسج أركان حبكة التكهنات وبنيتها الدرامية.

وفي الإطار، يتوقع أن تلعب البنية الدرامية للإعلام دوراً رئيسياً في الأجواء المؤدية للاستحقاق الانتخابي المقبل، ونتيجته، أي اختيار الرئيس.

ارتفع عدد مستخدمي الإنترنت في مصر العام الماضي، إلى نحو 44 مليون مستخدم، ويتوقع له أن يصل إلى نحو 47.4 مليون مستخدم خلال السنة وفقاً لشركة «ستايستا» للإحصاءات ودراسات الإنترنت. ووفقاً لـ «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، فإن نحو 95 في المئة من الأسر المصرية تمتلك هاتفاً محمولاً، والغالبية المطلقة من البيوت المصرية تحتوي على جهاز تلفزيون واحد على الأقل. هذه الهمينة الإعلامية بجناحيها تعني إنها اللاعب الأكبر، حتى وإن كانت عاملاً أو وسيلة، في اختيار الرئيس وصناعة الأجواء.

الأجواء الحالية تشير إلى حجب رسمي لمعظم المواقع المعروفة التي هي لسان حال جماعة «الإخوان المسلمين» وأبناء عمومتها، إضافة إلى عدد آخر من المواقع التي يصنفها البعض بـ «متعاطفة» أو «مؤيدة» للجماعة. لكن سبل الوصول إليها لا تزال موجودة، كما أن هناك من يقوم بمهمتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

مئات وربما آلاف الدراسات والتقارير المهمة تم إنجازها على مدار سنوات حول دور المال والإعلام والشبكة العنبكوتية واللجان الإلكترونية والاختطافات الذهنية والتوجيهات غير المباشرة وغيرها من العوامل التي وجّهت دفة الانتخابات الرئاسية الأميركية والفرنسية وغيرهما. وبقي أن يوجد في مصر من هو قادر على دراسة الحالة المصرية الإعلامية قبل الانتخابات الرئاسية وأثناءها وبعدها للتعرف إلى دور الإعلام في تحديد مسار الانتخابات. فهو اللاعب الأكبر والموجه الأقوى المنسي في التصريحات والتنويهات والتحركات، وإن كان محفوراً حاضراً فيها.