«قصص إماراتية» منصة صحافية لتعريف الأجانب بالمواطنين

نزيهة سعيد |

يعيش الأجانب بين مواطني بلدان الخليج بأريحية، حيث ترحّب بهم هذه البلدان وشعوبها، وهم متغلغلون في نواحي الحياة، من عاملين وموظفين وموفري خدمات، حتى إنهم في المنازل مربين للأطفال وغيرها من المهن الملتصقة يومياً بالمواطن الخليجي. لكن هل يعرف هؤلاء عن حياة الخليجيين وعاداتهم وتقاليدهم وكيف يفكرون، عدا عن أولئك الذين يعيشون معهم في المنزل عينه، من مدبرات المنزل والسائقين والطباخين ومربيات الأطفال؟

رأت نتالي جيليه، الفرنسية الأصل إن ذلك ليس بالضرورة أمراً واقعاً بين الأجانب وأهل البلد الأصليين وخصوصاً في الإمارات التي يفوق فيها عدد الأجانب عدد السكان المواطنين، وأنه يجب أن يكون هناك تواصل مع أهل البلد، وذلك عبر منصة إلكترونية بعنوان «قصص إماراتية» تقدّم من خلالها قصص إماراتيين يتحدّثون عن مشاريعهم، منجزاتهم وأفكارهم.

تقول جيليه: «السبب هو أنه ليس لدى معظم الأجانب فكرة عن الثقافة والمجتمع الإماراتي، حتى بعد أن عاشوا سنوات في هذا البلد. يجتمعون في العمل ويتفاعلون بطريقة لطيفة جداً ولكن في نهاية اليوم يعود الجميع يعود إلى منازلهم. لسبب ما من الصعب جداً الحفاظ على صداقات وثيقة خارج العمل. لذا هناك فرص قليلة للأجانب للدخول في محادثة عميقة مع شخص إماراتي حول الأمور المهمة، فقد يعبّر الأجانب عن رغبتهم في معرفة مزيد من المواطنين الإماراتيين أو أكثر عن الثقافة الخليجية. فالإماراتيون يسافرون كثيراً، وهم على دراية تامة بالعالم وبالثقافة العالمية، لكن الأجانب يشعرون بالجهل تجاه المجتمع الإماراتي».

تحمل جيليه خلفية صحافية لسنوات طويلة، انتقلت للعيش في الخليج عام 2008، بعد أن تنقلت في الشرق الأوسط بسبب عملها في مجلة اقتصادية فرنسية تهتم بالشؤون الأفريقية، ومن ثم صحافية حرة لصحف ومجلات فرنسية. وجاء انتقالها إلى الإمارات للعمل كمراسلة اقتصادية في صحيفة «ذي ناشونال» باللغة الإنكليزية.

تقول جيليه لـ «الحياة»: «أنا مواطنة فرنسية نشأت بثقافتين، فأمي ألمانية وأبي فرنسي، وكبرت وشغف اللغات والثقافات الأجنبية يلاحقني. درست العربية والإنكليزية والألمانية، كما درست لاحقاً العلاقات الدولية والعلوم السياسية في العالم العربي. بعد عامين انتقلت إلى العمل في مجال التلفزيون والراديو وأصبحت مراسلة بلدان مجلس التعاون الخليجي باللغتين الإنكليزية والفرنسية لـ «فرنسا 24» و «راديو فرنسا الدولي»، فتنقلت بين بلدان خليجية مختلفة لتغطية الأحداث خصوصاً في عام 2011، فتحوّل العمل من القصص الاقتصادية المعتادة إلى تغطية فعاليات أكثر إثارة، وامتلكت مهارات مونتاج الفيديو والصوت».

انتقلت جيليه للعمل في مجال العلاقات العامة والاتصالات قبل 3 أعوام في أحد المصارف في أبوظبي «بحثاً عن الاستقرار في عملي وحياتي الشخصية، مع ساعات عادية وراتب منتظم» وفق تعبيرها. وتضيف: «هكذا اكتشفت تسويق المحتوى والعلاقات العامة وأصبح متحمسّة له. وأدركت كم أن التكنولوجيا الرقمية قد تغير الطريقة التي يستهلك الناس بها المعلومات، وكيف أن هذه الوسائل القوية المدهشة تُمكّن الشركات والمؤسسات السياسية وكل فرد في العالم مع الاتصال بالإنترنت من التواصل مباشرة مع بقية الكوكب من دون تدخّل وسائل الإعلام التقليدية».

سألناها ما الذي أعادها إلى الصحافة، أجابت: «أنا لم أعد إلى الصحافة، أنا فقط استخدمت مهاراتي الصحفية لتطوير منصة إلكترونية، والتي يمكن لأي شخص أن يطوّرها في الوقت الحاضر. في حالتي، فقد اخترت أن يكون البث صوتياً عبر المنصة بمهمة ومفهوم معينين. لا أرغب في العودة إلى الصحافة ولكن لا أستطيع إلا أن أكون صحفية بطريقة أو أخرى».

وعن المواضيع التي تغطيها المنصة، قالت جيليه: «يتركز البث على المقابلات الشخصية مع مواطنين إماراتيين، أحياناً مواطني بلدان مجلس التعاون الخليجي الذين يعيشون في الإمارات، مع خلفيات اجتماعية مختلفة، وأجيال مختلفة، لأن هنا تكمن الفجوة. فالجمهور المستهدف هو المغتربين وأي شخص في العالم مهتم في هذه المنطقة، لذا يقدّم البرنامج باللغة الإنكليزية. كما أن الهدف من ذلك هو إعطاء الأجانب فرصة لاكتشاف المجتمع والثقافة الإماراتيين من خلال القصص الفردية، حيث يتحدّث الضيوف عن أنفسهم، وعما يحفّزهم، وما يفعلونه، ومصادر إلهامهم، وكيف نشأوا، وما إلى ذلك، ما يمكّن الأجانب من الحصول على فكرة عن الحياة الإماراتية، وكيفية تفكير الناس في هذه المنطقة حول الشؤون المحلية والعالمية».

كما عزت جيليه السبب الذي حداها إلى إطلاق هذه المنصة الإعلامية هو إنه لا توجد برامج إذاعية ثقافية بالإنكليزية، ولا يساعد الهيكل الاجتماعي مع هذا الخلل الديموغرافي الذي يضع السكان المحليين في وضع أقلية في بلدهم، لا سيما في حالة أن الأجانب يأتون ويذهبون طوال الوقت. كما أن اللباس المحلي يخلق تمييزاً بصرياً قوياً، ومن دون وعي يضع نوعاً من «الجدار» بين الاثنين. كما لاحظت أن لدى المغتربين شغفاً وفضولاً كبيرين في الاستماع إلى النساء. ويبدو أنهن الأكثر غموضاً بين السكان لأنهم لا يجرؤون الاقتراب منهن. هم فضوليون لفهم الطريقة التي تفكر بها المرأة المحلية».

وعن سبب اختيارها الصوت وليس الكتابة أو الفيديو، أوضحت جيليه: «يوفّر الصوت لمسة شخصية أو حميمية موقتة. فهدفي أن يتعلّم المستمعون شيئاً جديداً بعد كل مقابلة. أريدهم أن يكونوا قادرين على الاتصال شخصياً بشخص إماراتي لبضع دقائق، من الإنسان إلى الإنسان، كما أن المنصة كالبرنامج الإذاعي، يمكن لأي شخص الاشتراك فيه والاستماع إليه على الهواتف الذكية (من طريق آي تيونز، أو «ستيتشر» لأجهزة الأندرويد) في أي وقت يريدون، من أي مكان في العالم، مدعمّاً بالصورة على المنصة الإلكترونية لمن يودون التعرّف أكثر أو الحصول على معلومات إضافية ومراجع».

وتضيف جيليه: «يمكنك الاستماع إلى الصوت أينما وحيثما تريد، أثناء قيادة السيارة، مزاولة الرياضة، وإعداد وجبة طعام. يمكنك إيقافه في أي وقت واستئنافه عندما يكون لديك وقت مرة أخرى. كل ما تحتاج إليه هو الهاتف الذكي أو جهاز كمبيوتر، الصوت له أيضاً بعد عاطفي لا تملكه الكتابة، مع وجود شخص يهمس مباشرة في أذنك. الشكل المثالي لجعل الناس أقرب إلى بعضهم بعضاً.

وعما إذا كانت جيليه تخطط لجعل هذه المنصة وظيفة بدوام كامل، قالت: «ليس حقاً ولكن بالطبع لا نعرف أبداً أين يمكن أن تؤدّي الأمور. إنها حالياً شغف بدوام كامل، إلى جانب وظيفة بدوام كامل، فأنا لا أريد أن أغادر هذا البلد قبل معرفته في شكل أفضل، أولويتي الآن التركيز على جودة البرنامج وتوزيعه على نطاق واسع، ولكنني أستطيع لاحقاً استكشاف الشراكات، ربما مع مؤسسة ثقافية أو تعليمية. ولكن لم أضع بعد أي استراتيجية عمل حول ذلك».

وتختتم جيليه حديثها مع «الحياة»: «عملت على المنصة بشغفي الخاص ومولّتها بنفسي، تماماً كما يفعل الآخرون مع هواياتهم. لقد مكنني راتبي حتى الآن من الاستثمار في معدات التسجيل الصوتية المهنية ومواد عزل الصوت للاستوديو. أكبر عقبة هي الوقت، فالبرنامج حتى الآن شهري، وإذا ما رغبت في تحويله أسبوعياً فأنني في حاجة إلى وضع خطة عمل والحصول على موارد، وإلى مساعدة في ما قبل الإنتاج وما بعده. وقد يتطلّب ذلك تمويلاً من خلال الإعلان من مؤسسة ثقافية أو تعليمية، ومن ثم توظيف شخص ما. لكنني لا أريد أن يدفع المستمعون ثمناً للاستماع إلى المواد، فهذه هي هديتي إلى المجتمع».