أبقار تشكّل خطرا ًعلى أمن إسرائيل

من الفيلم
بيروت - منال عبد الأحد |

من الشجاعة الإخراجية في المقام الأول أن يُقدم المخرجان، الفلسطيني عامر الشوملي والكندي بول كوان على تجاوز الأسلوب البكائي الجدّي الدرامي المعتاد والذي يطغى على المقاربة السينمائية لمعاناة الشعب الفلسطيني، ليلجآ إلى مقاربة قائمة على السخرية السوداء، تجمع بين الرسوم المتحركة بتقنية إيقاف الحركة stop motion animation والمقابلات مع شهود عيان عايشوا تلك المرحلة، والسرد الشخصي الذي يقوم به عامر الشوملي. وذلك في هذا العمل الذي يتناول الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي.

 

الأبقار في المعركة

يحكي فيلم «المطلوبون الـ18»، وهو من إنتاج فلسطيني كندي مشترك، حكاية أهل قرية «بيت ساحور» الذين قرروا تحقيق شيء من الاكتفاء الذاتي وأنشأوا ما عُرِف وقتذاك بـ «القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة» التي راحت تُعنى بتلبية حاجات السكان وإصدار البيانات باسم الشعب. وذات لحظة وجدت اللجنة الزراعية في اللجنة، أنّه بات من الضروري شراء أبقار من بلدة إسرائيلية مجاورة وتربيتها لتأمين احتياجات الناس من الحليب. وهنا بدأت حبكة الفيلم بالتصاعد تدريجيًا، حيث على الفور لم يتقبّل الإسرائيليون هذا الفعل حتى وصل بهم الأمر إلى حد مطاردة الأبقار التي نُقِلَت من المزرعة نزولًا عند الأمر العسكري بالتخلّص منها، فتمّت تخبئتها في بيت اللحام أولًا، ثم ما إن اكتُشِف الأمر حتى ألقوا القبض عليه، فنُقِلت على الأثر إلى مكان آخر. والحال أن رحلة هذه الأبقار من مخبأ الى آخر هي مشوار المطلوبين الـ18، حيث باتت «تهدّد الأمن الإسرائيلي» وأصبحت مطاردتها شأنًا عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا مهمًا. ولعل ما يزيد من حدة المواقف وطرافتها هنا أن الفلسطينيين لم يكونوا على دراية بكيفية تربية الأبقار فأرسلوا طالبًا متطوعًا إلى أميركا ليتعلّم كيفية «حلبها».

انطلاقًا من هنا تأتي «أنسنة» الحيوانات في الفيلم، وهي العنصر الرئيس فيه، - وجعل الأبقار تتصدّر مشهد البطولة في هذه القصة التي حدثت فعلًا - لتجعل من هذا العمل الإستثنائي في موضوعه على الأقل، إنتاجًا مبتكرًا يتنقّل بحرفية عالية بين الواقعي والما فوق واقعي، بين الرسوم والسرد الشخصي والمقابلات مع الشخصيات التي صنعت تلك المرحلة.

وتلفت في الفيلم في شكل واضح محطات ذات أبعاد سيكولوجية بارزة، حيث يُعالج الفيلم كيف انكسر الحاجز القائم بين الفلسطينيين والأبقار– كونهم ليسوا على دراية بكيفية تربيتها كما أسلفنا– عندما تضع البقرة الأولى عجلها أمام أعين الفلسطينيين. وتتحدّث إحدى الشاهدات عمّا شعرت به عندما رأت البقرة التي تضع مولودها تبكي أمامها، فجأة تحوّلت هذه البقرة بنظرها إلى إنسانة، إلى أم تخوض مخاض الولادة.

وفي المقابل يُظهِر الفيلم هشاشة العدوّ الإسرائيلي الذي استنفر فرقة من مئات العناصر للبحث عن الأبقار المطلوبة. فالإسرائيليون في الفيلم كما في الواقع بالتالي، لا يريدون للفلسطينيين أي وجه من أوجه الحياة المستقلّة الكريمة البعيدة من الإمعان في الذلّ والتعذيب. كما ويلقي الضوء على إصرار الشعب الفلسطيني الذي كان يُمارس حياته العادية على شرفات المنازل خلال أيام حظر التجوال الطويل الذي يفرضه عليه العدو. كلّ ذلك في إطار من العفوية التي تشكّل أحد أبرز أعمدة هذا الفيلم الذي يجمع بين المقاربتين الوثائقية والرسوم المتحركة. ويروي لنا الفيلم كيف أن الكرّ والفرّ من حول الأبقار تواصل إلى أن وقّع أبو عمّار اتفاقية «أوسلو»، ما وضع بالتالي حدًّا لتلك الانتفاضة. ومع ذلك قرر الأهالي الخروج في مظاهرة وداعية استشهد فيها الناشط البارز أنطون الشوملي ابن عم المخرج. ويتحدّث هنا عامر الشوملي، الذي كان يقيم في أحد مخيمات اللجوء في سورية وقتذاك، عن الجنازة الرمزية التي نُظِّمت لأنطون والتي لا يدري إن كانت بمثابة جنازة للانتفاضة.

 

مبتكرون ومرعوبون

على أي حال حين انتفت الحاجة إلى الأبقار المتبقية، قرروا ّذبحها إلّا أن الأبقار تدفع بـ «يارا»، البقرة الصغيرة، للهروب من المساحة الضيّقة الفارغة في الشاحنة، لتختبئ في الصحراء، حيث يظهر عامر وهو يبحث عنها لأنه يفضّل أن يفعل ذلك على أن يستسلم لواقع الحال.

يتميّز فيلم «المطلوبون الـ18» بإلقاء الضوء على جانبي الحكاية، الفلسطينيين الذين يبتكرون سبلًا للمقاومة مما تيسّر، والإسرائيليين الذين يهلعون ببساطة لمجرد وجود ثمانية عشرة بقرة في مزرعة، ما يكشف هشاشتهم ورعبهم المتواصل، ويفسر ربما بالتالي عنف ردود فعلهم. وإلى هذا لا يوفر الفيلم في رسائله السياسية السلطة الفلسطينية التي يقول أحد الشهود إن «قيادتها في الخارج قضت على الانتفاضة لكيلا تنشأ سلطة رديفة لها في الداخل تنافسها وتقضّ مضاجعها». مهما يكن وإلى جانب هذا كله لا بد من الإشارة إلى أن «المطلوبون الـ18» فيلم أحرز نجاحًا بارزًا نظرًا لريادته في تقديم الوجه الآخر للصراع بقالب مبدع قلّ نظيره. وقد عرضته دار النمر للفن والثقافة للمرة الثانية يوم الثلثاء المنصرم.