في البقاع اللبناني «مخيمات للأرامل» تحت رحمة «الشاويش»

بيروت - رامز أنطاكي |

في «دولة» مخيمات اللاجئين، ثمة رئيس حاكم بأمره يتخذ لقباً غريباً كاد يندثر في لبنان، يرتبط في أذهاننا بالبيئة المصرية لا الشامية الأوسع أو اللبنانية... هو الشاويش!

فلكل من هذه التجمعات البشرية التي تشكلها مخيمات اللاجئين شاويشها، الموكل أمرها، ينظّم الأمور في المخيم ويكون صلة الوصل بين سكانه والعالم الخارجي، فيجمع إيجار الأرض من اللاجئين لدفعه إلى صاحب الأرض، ويكون مرجع المنظمات الإغاثية للحصول على معلومات وتوزيع المساعدات، كما أنه مقصد الجهات الأمنية حين تبحث عن مشتبه به أو تريد تقصّي بعض التفاصيل عن هذا اللاجئ أو ذاك... ففي كل ما هو متصل بالعلاقة بين المخيم والعالم الخارجي للشاويش يدٌ طائلة وعين ساهرة.

أما كيفية اختيار الشاويش فمتفاوتة. من الممكن أن يكون أول الواصلين إلى هذه الأرض التي تطورت لتصبح مخيماً للاجئين، أو قد يكون على صلة بصاحب الأرض التي أقيم عليها المخيم، وربما هو معيّن كشاويش من البلدية التي يقع المخيم في نطاق سلطتها، وفي حالات نادرة وحين يرجع سكان المخيم إلى عشيرة واحدة أو هم أبناء قرية واحدة يقوم اللاجئون أنفسهم باختيار الشاويش من بينهم، والذي عادة ما يكون كبيرهم أو أحد وجهائهم.

وكما في الأنظمة الحاكمة لبلداننا، غالباً ما لا يستمد الشاويش سلطته من تفويض سكان المخيم له في عملية يمكن اعتبارها ديموقراطية وإن استندت إلى مؤهلات العمر والوجاهة والنسب قبل المؤهلات والقدرات، لكن من كونه المتحكم بشؤون «رعيته» نتيجة علاقات وصلات، وقدرة بالتالي على تسهيل وصول المساعدات لأحدهم وحجبها عن آخر، وصولاً إلى قدرته على طرد أحد السكان من المخيم بحكم علاقته بصاحب الأرض أو حتى السلطات.

باختصار، لا بقاء للاجئ في مخيم، ولا دخول لمنظمة إغاثية أو وصول وسيلة إعلاميّة لسكانه إلا برضى الشاويش، الذي يساهم أيضاً من خلال سلطته في حل الخلافات الناشبة بين سكان المخيم الواحد. ويؤثر الشاويش أيضاً في وصول المزارعين اللبنانيين الذين يريدون تشغيل اليد العاملة السورية في حقولهم، وبالتالي يصبح أشبه برب عمل أو مشغِّل وسيط. فإن كانت علاقتك جيدة بالشاويش ستضمن الحصول على فرصة عمل حين تتوافر.

وبين مئات المخيمات المنتشرة على الأراضي اللبنانية، تجد مخيمات تعد على أصابع اليدين منها واحد على الأقل يشكل حالة لافتة جداً، ففي واحد من مخيمات عدة تدعى «مخيمات الأرامل»، تعيش مجموعة تتراوح بين 40 أو 50 أرملة سورية لاجئة مع أولادهن، جئن من مناطق سورية مختلفة بعد أن فقدن أزواجهن بسبب التعذيب والقصف والعمليات العسكرية أو في القتال ضد النظام.

المخيم الذي يضم «كرفانات» معدنية بدل الخيم التقليدية، مموّل بالكامل من مصدر خارجي يغطي أيضاً تكاليف الطعام والشراب والطبابة والتعليم... إلخ. كل شيء يبدو طبيعياً حتى الآن، لكن القواعد الأخرى المفروضة على السكان تبدو غريبة وغير مقبولة. فلا تستطيع أي امرأة مغادرة المخيم لأي سبب كان من دون إذن من شاويش المخيم المعيّن من الجهة المانحة، وبالاتفاق مع جهة دينية محلية، ويقيم عند مدخل المخيم.

الشاويش الذي يرخي لحيته حالقاً شاربه، هو أشبه بـ «المحرم» بالنسبة الى عشرات الأرامل المقيمات حيث لا تستطيع الواحدة منهن التصرف من دون العودة إليه، وهو مكلّف لقاء راتب يتقاضاه بقضاء حوائجهن بواسطة سيارته التي ينقل الواحدة منهن فيها حين الضرورة. وتقول سارة الناشطة الإغاثية في منطقة البقاع وتفضل عدم كشف اسمها كاملاً، إن هذا الشاويش سبق وأن دخل السجن لفترة ثم تم الإفراج عنه من دون معرفة أسباب سجنه ولا كيفية خروجه.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد، فالقواعد المفروضة بقوة المال تصل حد فصل الأطفال الذكور عن أمهاتهن حالما يبلغون التاسعة من العمر ليقيموا في قرابة 10 كرفانات مستقلة خارج حدود المخيم في تجمّع للأطفال تبدأ أعمارهم من التاسعة، ويسمح لهم بالإقامة مع أمهاتهم خلال النهار لكنهم ينفصلون عنهن ليلاً.

ويقول مصطفى الحلبي وهو كان يعمل في مجال الاغاثة، إن بعض المخيمات الأولى التي أقيمت بمساعي جمعيات دينية، غالباً ما فرضت تطبيق نظام المحرم والشاويش والاحترام الإلزامي لمواقيت الصلاة وما شابه، من دون أن يكون للاجئات خيار الرفض. فهن يعتمدن بالكامل في معيشتهن على الموارد التي تؤمنها هذه الجمعية أو ذاك المتبرع.

ويخشى حقوقيون وعاملون في مجال الاغاثة من إن هذه الحال التي تنتهك حقوق اللاجئين تشكل أيضاً بيئة مناسبة ومؤسِّسة للتعديات الجنسيّة التي تطاول النساء والأطفال على السواء، وتوفير بيئة خصبة للتطرّف الديني، وربما لاحقاً التجنيد في أعمال مخالفة للقانون.

لكن يبدو الشاويش ضرورة لا بد منها لتنظيم شؤون كل مخيم، بصفته مجتمعاً بشرياً في حاجة إلى تنظيم مهما كان. لكن غياب آليات المراقبة والمحاسبة والتغيير من المقيمين أنفسهم، يحوّل هذا النظام إلى سيف مسلّط على رقاب اللاجئين بدل أن يكون مكرساً لتسيير حياتهم وتحسين أوضاعهم. وتقول أم مريم المقيمة في مخيم بقاعي: «نعيش تحت رحمة الشاويش، وهو يكاد يكون المتسلط الجديد علينا بدل ذاك الذي هربنا منه، وإن كانت سلطته تطاول نطاقاً مكانياً ضيقاً إلا أننا نخشاه ونحسب له ألف حساب». وهذا ما يوافق عليه ناشطون مطلعون على أحوال المخيمات، ويقول أحدهم: «غالباً ما يكون الشاويش شخصاً سيئاً ومتسلطاً، بسبب دينامية العلاقة بين مراكز القوى في منطقة المخيم من ممولين وبلديات وأصحاب أرض وأجهزة أمنية».

ولعل من بين الحالات البائسة لمخيمات اللاجئين السوريين في لبنان، تبقى حالة «مخيمات الأرامل» خاصة جداً وشبه مغيّبة عن الاعلام تبلغ سلطة الشاويش فيها درجات قصوى... يكفي مثلاً، أن أحداً ممن قابلتهم «الحياة» سواء من اللاجئين أم من العاملين في مجالات الإغاثة، لم يوافق على كشف هويته كاملة لكاتب هذا التقرير.