قصتان.. مارلين

أسامة ريان |

تلفّتَ حوله، الزميلتان جالستان، صمتتا تنظران إليه، سألته إحداهما عن سبب وقوفه هكذا حاملاً كل هذه الملفات، دارى ارتباكه بالجلوس في مقعده، يتعلل بأنه مُتعب اليوم، وضع الملفات على المكتب واستدار ليواجههما. تشعره نظراتهما بأن في ملامحه شيئاً ما. كسر الصمت دخولها، مبتسمة، تُرجع مقعدها إلى مكانه، تسدد عينيها إليه، تتسع ابتسامته بينما تتساءل عن سبب هذا الصمت. شعر أن السؤال موجَّه إليه، فأدار مفتاح المذياع لتنطلق ثومة: نظرة وكنت أحسبها سلام، وتمُر «أوام». لم ينتبه إلا وهي تضع فنجان القهوة أمامه، تنظر في عينيه قائلة «صوتك حلو، بس الأغنية خلصت من بدري، وقرّبنا نروّح»، تضحك بخفة. اعتدلت بمقعدها تواجههما، قبل أن تلتقط نظرة الشكر. راحت تحكي عن طبيخها للعيال اليوم.

يحضر مبكراً -قَبلِهن- لتجهيز ملفات عمل اليوم، وارتشاف فنجان قهوة الصباح مع تصفح سريع للصحيفة اليومية، قبل أن يخبئها في درج مكتبه. تركزت عيناه على صورة ذلك التمثال الضخم لمارلين مونرو، يحتل نصف صفحة في مناسبة مهرجان سينمائي يترقبه العالم. أقاموا التمثال لتبدو حية متألقة في لقطة استعراضية، تقف على ساق واحدة في حذاء بكعبِ عالِ دقيق، بينما الأخرى مطوحة للخلف في فستان أصفر قصير، تنتثر عليه زهور دقيقة ملونة. كتبَ المُعلِق أسفل الصورة أن بالتمثال الرائع قنوات دقيقة بوصلات تطلق الهواء ليطير الفستان، كما لو كانت تواصل الرقص. تحيط به جماهير المهرجان ونجومه في الميدان حول مقر اللجنة المنظمة والبساط الأحمر ممتد. زفرَ زفرةً حارة قبل أن يطوي الصحيفة، يدٌ امتدت من خلفه... صوتها يرجوه التمهل مع تحية صباح خاطفة، ترك لها الصحيفة واستند إلى ظهر مقعده، يرقبها، تتمتم بأخبار المهرجان. اعتدلت تواجهه، تبرق عيناها وهي تصف افتتاح المهرجان ليلة الأمس. انفلتت الكلمات من عقالها تصف مارلين وهي ترتدي السواد، كأرملة في فيلمها الشهير، تصف القفازات الناعمة طويلة سوداء لامعة، جيبونة الفستان الأسود القصير، والقبعة بالتُلْ المنسدل يخفي دمعة واحدة تتدحرج بهدوء. ترقبه صامتة وهو يحكي، ينظر إليها، هزّ رأسه مستئذناً ليطوي الصحيفة، يخفيها في الدرج، محظور قراءة الصحف أثناء العمل. كانت لاتزال واقفة، فتح الدرج ليتشاغل بالبحث عن هذا الشيء غير الموجود في أدراجه.

عادت مسرعة قبل استراحة القهوة، وقبل أن يروغ من ركنه في الحجرة، تستأذنه بإلحاح ولهفة لتلقي نظرة على الصحيفة. تلفّتَ حوله، يشعر بالحرج، قالت له هامسة: «قبل ما يرجعوا بسرعة»، أخرج لها الصحيفة، تلمّسَت بأصابعها بخفة صفحة مارلين. ألقت نظرة سريعة على بضعة سطور في ركن الصفحة، أطبقتها ونظرت إليه. بدا كأنها ابتلعت كلمات كانت على طرف شفتيها، ثم غادرت مسرعة إلى صديقتيها. فتح الدرج ليخفي الصحيفة، ترى ماذا يلفت النظر بجوار مارلين؟ ضعفت مقاومته، فأخرج الصحيفة خلسة، وضع العدسات على عينيه يزحف إلى الركن نفسه من الصفحة. تعرض دار السينما العريقة في وسط البلد الفيلم الشهير لمارلين مونرو منذ ليالٍ عدة؛ والليلة هي الأخيرة. لا يعرف متى طوى الصحيفة وأخفاها في مثواها في الدرج. دار السينما نفسها والفيلم نفسه، وكل هذه السنوات. هل سيجرؤ على الذهاب إلى السينما وحده؟ يتقاعس أولاده في الحصول على نسخة من الفيلم تحمل له ذكرياته مع أمهم. لديهم حُجَج كثيرة للاحتفاء بأولادهم، فلا وقت لديهم، والليلة هي الأخيرة.

قال لنفسه في طريق العودة إلى المنزل: «أرتاح شوية، ولا داعي لمتاعب تجهيز الغداء، كفاية ساندوتش في المطعم القديم جنب السيما... زي زمان». يراقب شباك حجز التذاكر، الجمهور قليل، فلا إقبال على أفلام الأبيض والأسود، راح يتأمل الصور الفوتوغرافية لمناظر من الفيلم، معلقة في بهو السينما. يلح عليه تساؤل: متى كانت لمساتهما أثناء عرض الفيلم؟ منذ تلك السنوات الطويلة، والحديث الذي دار بينهما، كان يشغله ليلتها كيف سيودعها إلى منزلهم في الليل، وماذا ستقول لأمها.

أصابع بأظافر دقيقة راحت تدق على كتفه، وصوت ضاحك يرجوه بخفة:- ممكن تحجز لي تذكرة معاك؟