جان فوتريه ورؤوس المحكومين بالاعدام

باريس - أسعد عرابي |

يبدو هذا الفنان استثنائياً في تاريخ التجريد الفرنسي. وكذلك ريادته في الحداثة العدميّة الدراميّة التي تعكس نكبات الحرب العالمية الثانية منذ بداية الأربعينات وتأسيسه لتيّار أساسي يدعى «اللاشكلية» المتمثّلة في صراعه الحثيث وشبه المستحيل للمؤالفة بين نحت المواد النافرة في سطح اللوحة من جهة، والخطوط الكرافيكية الشفافة والشاحبة من جهة أُخرى، هو ما يفسر عنوان المعرض البانورامي الراهن «النور والمادة».

هو المعرض الاستعادي الثالث لجان فوتريه الذي يقيمه متحف الفن المعاصر لمدينة باريس والمستمر حتى الربيع. مثل معرض 1964 الاعتراف المتأخر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وجاء الثاني عام 1989 تصحيحاً للأول مؤكداً دوره الريادي الذي جابه التيار الغنائي الغالب على تجريد مدرسة باريس، لكنّه لا يقارن بخصوبة وثراء معرض اليوم الثالث والذي يغطي كامل سنوات حياته منذ ولادته في باريس عام 1898 حتى وفاته في محيطها عام 1964. لعلّه من الجدير بالذكر أن المجموعة نفسها عرضت قبل وصولها وفي متاحف سويسرا لكنّها منقوصة، استُكملت في باريس فأُضيف إليها المجموعة النادرة الخاصّة بهذا المتحف والتي تتجاوز ستين لوحة، من أشد أعماله حميمية وتوثيقاً، لأنها مبكرة، فقد استأثر المتحف بندرة تواريخها الاستهلالية في شبابه، ترقى إلى ما بين عامي 1925- 1930 ما سمح بترتيب «سينوغرافيته» البانورامية وفق تسلسلها التاريخي فقد أعقبت هذه الفترة المبكرة بأخرى أشد ندرة تقع فترة الحرب العالمية الثانية، التي اكتوى بنار جنونها الانتحاري. موضوعاته على رماديتها كانت قريبة من آلام الحرب، مجموعة من العاري الأنثوي بألوان لحم مقزز ومتسخ، ثم ذبائح من الحيوانات المبقورة البطون، كذلك شأن الطبيعة الصامتة غارقة عناصرها في سادية استفزازية اكتئابية مأزومة تلامس التجربة الوجودية التي تجمعه مع معاصره نيكولا دوستائيل، ومع الجراح المصوّر الإيطالي ألبرتوبوري ومع وولز، يجتمع الأربعة في التيار «الموادي اللاشكلي» الاغترابي أو الانتحاري المستقل والمنسلخ عن تفاؤلية تاريخ الفن المعاصر (ابتداءً من الانطباعية وانتهاءً بالتجريد الغنائي)، هو تمهيد لتعبيرية درامية أخرى مغايرة للتعبيرية الألمانية، لذلك التحق بهم بعد فترة سوتين وفان دونجين وصاحب لوحة «الصرخة» إدوار مونخ، ثم بلغ هذا الاتجاه ذروته مع الفنان الإسباني أنطوني تابييس الذي أثر بدوره في عدد من نخبة الفنانين اللبنانيين كإيلي بورجيلة.

يشير المعرض إلى أن المرحلة الأشد خصوبة لدى فوتريه تقع ما بين عامي 1943 و1945 والمشهورة بموضوع «الرهائن». ترتبط هذه التجربة المريرة بالتحاقه بالخدمة العسكرية الفرنسية الوطنية (قبل تحالف بيتان مع هتلر). حصل هذا خلال الحرب الأولى مع إصابة رأس جورج براك إصابة بليغة، وقتل اثنين من كبار مدرسيّ الباوهاوس ماك ومارك. صادف سوء طالع فوتريه أنه أُفرز لفصيلة الإعدام في الجيش، ولم يكن لحساسيته الرهيفة خيار لكنّه دفع الثمن غالياً بعد انتهاء خدمته ومطاردة «الغستابو» له فهرب من باريس وتوارى عن الأعين. بدأ برسم ذاكرة وجوه المعدومين ثم إعدام وجوههم بالنور وهكذا ترسخ أسلوبه من خلال التجربة المعاشة والمرتبطة بتمتين جسد اللوحة بالملصقات الموادية المنحوتة قبل إعدام خطوطها بالنور ثم إعادة تخطيطها وهكذا. تتراوح تقنيته مابين غياب الدلالة وحضورها، وعلى رغم غلبة التجريد في تجربته فأشباح دلالة هؤلاء الشخوص (الرهائن) ظلت معاندة على البقاء الشبحي.

ثم يصل المعرض إلى عام 1955 فيصّور اليوميات والأشياء والعناصر الوحيدة المعزولة عن بيئتها لينتهي بسلسة تصاويره إلى وضعيات إنسانية اغترابية أنثوية تشتمل أحياناً على التمثيل في جثث المدنيين وذلك ابتداءً من عام 1958. لم يكتشفه الألمان الذين يؤثرون التعبيرية الوجودية الحادة والدرامية (ماكس بكمان) حتى عام 1980 عندما أقيم معرضه لديهم.

تحضرني الملاحظة النقدية الذكية التي أبداها الروائي أندريه مالرو بمناسبة افتتاحه (كوزير ثقافة في عهد ديغول) لأحد معارض فوتريه، يقول بعد تأمله خصائص أسلوبه : «لا فضل لأحد عليك يا جان» يقصد أن خصائصه الفنية مستقلّة عن معاصريه، بالعكس لقد رأينا كيف أن «موادّيته» وصل ميراث تأثيرها حتى أنطوني تابييس، ولكن النقاد وبسبب تواضع فهمهم هذه الخصائص يجمعون على أنه لا يمكن تصنيفه لأنه منسلخ عن تاريخ الفن وفي حالة طلاق مع تيارات عصره، وبما أن جدته كانت نخبوية فلم يخطر في بالهم أنه شق تياراً خاصاً بلوحاته المتواضعة القياس، ما خلا الناقد ميشيل تابيي الذي شرح في بيانه عام 1950 معنى فنّه اللاشكلي أو الموادي، ثم خصص لهذا التيّار كتاباً خاصاً عام 1952 بعنوان «فن في شكل آخر»، يؤكد فيه اجتياح الحدة التعبيرية التراجيدية والسادية الفظائعية الانتحارية المغرقة في العدمية لأساليب هؤلاء. وكما أن لكل فنان جمهوره الذي يتحمّس له ويدافع عنه كان لفوتريه جمهور من المعادين للوحته، فابتعد بدوره عن أصدقائه وآثر العمل وحيداً غارقاً في عزلة. لعل «الرمادية» المتشائمة في فنه خير تعبير عن إبليسيّة الحروب.