منظمة الصحة تراهن على السياسة لمقاومة السرطان

القاهرة - علي عطا |

كعادته سنويّاً، احتفل العالم في 4 شباط (فبراير) بـ «اليوم العالمي لمكافحة السرطان»، رافعاً شعار: «أنا أستطيع... نحن نستطيع». وتشير الكلمات إلى طيف من الإجراءات والأدوار التي يستطيع الأفراد والجماعات على حد سواء القيام بها للوقاية من السرطان ومكافحته وعلاجه.

وتشمل تلك الإجراءات اتّباع أنماط الحياة التي تعزز الوقاية من السرطان، وفهم أهمية الاكتشاف المبكر في تحسين فرص الشفاء، وطلب الدعم، وتحسين فرص الوصول إلى الرعاية الصحية، وتحدي المفاهيم المغلوطة حول الأورام الخبيثة، وإنجاز أعمال ملهمة لآخرين، وتوحيد القوى لمواجهة ذلك المرض وغيره.

وتتعاون «منظّمة الصحّة العالميّة» و «الوكالة الدوليّة لبحوث السرطان» مع المؤسسات التابعة للأمم المتحدة في إطار فرقة عمل مشتركة في الأمم المتحدة بين الوكالات المعنية بالوقاية من الأمراض غير المُعدية ومكافحتها. وتعمل تلك الهيئات على تحقيق أهداف تشمل زيادة الالتزام السياسي بالوقاية من السرطان ومكافحته، وتنسيق البحوث التي تتناول مسبّبات السرطان وآلياته، ورصد عبء السرطان، والالتزام بتوصيات المبادرة العالميّة لإعداد سجلات السرطان، وتحديد إستراتيجيات في شأن الوقاية، واستحداث معارف جديدة مع نشر المتوافر منها وغيرها. ويضاف إلى ذلك العمل على مقاربات مستندة إلى بيانات علميّة في شأن مكافحة الأورام الخبيثة، ووضع معايير وأدوات لتوجيه التدخلات المطلوبة في مجالات الوقاية من السرطان والكشف المبكر عنه، إضافة إلى توفير خدمات العلاج مع تزويد المرضى بالرعاية الملطّفة حتى اللحظة الأخيرة من كفاحهم ضد الورم الخبيث.

ومع تلك الأهداف العمل على نسج شبكات واسعة بين الشركاء والخبراء في مكافحة السرطان عالميّاً وإقليميّاً ووطنيّاً، وتعزيز النُظم الصحيّة محليّاً لتزويد مرضى السرطان بخدمات العلاج والرعاية. ويضاف إلى ذلك توفير قيادة عالميّة لتلك الجهود، مع الحرص على تقديم مساعدة تقنية للحكومات وشركائها في صوغ برامج معنية بتقديم خدمات عالية الجودة في ميدان مكافحة الأورام الخبيثة، خصوصاً سرطان عنق الرحم.

وتشمل الأهداف عينها تقديم مساعدة تقنية في نقل أفضل الممارسات في مجال تنفيذ تدخلات مكافحة السرطان، بصورة سريعة وفعّالة إلى البلدان النامية.

ووفق خبراء «منظّمة الصحّة العالميّة»، من المستطاع تخفيض نِسَبْ الوفيّات في صفوف مرضى السرطان بنسب تتراوح بين 30 و50 في المئة، عبر اتّباع خيارات تتعلق بأنماط الحياة الصحية على غرار تجنّب تعاطي التبغ، واتّخاذ تدابير في مجال الصحّة العامة، كالعمل على تنفيذ برامج لرفع المناعة حيال الالتهابات المتصلة بظهور أورام خبيثة.

 

القاتل الثاني عالميّاً

تؤكّد إحصاءات «منظّمة الصحّة العالميّة» أنّ عدد الحالات الجديدة للإصابة بالسرطان بلغت 14 مليون شخص في عام 2012. ومن المتوقع أن يزيد عدد الحالات الجديدة للإصابة بالسرطان بنسبة تقارب 70 في المئة خلال العقدين المقبلين. ويعتبر السرطان ثاني سبب رئيس للوفاة عالميّاً. وفي عام 2015، حصدت الأورام الخبيثة أرواح 8.8 مليون شخص، بل تعزى إليها وفاة واحدة من أصل 6 وفيات بين سكان الكرة الأرضيّة. ويبلغ نصيب البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل 70 في المئة تقريباً من الوفيات الناجمة عن السرطان. وتحدث نسبة ثلث تلك الوفيات تقريباً بسبب عوامل سلوكيّة وغذائيّة، يبرز منها 5 تعتبر عالية الخطورة. ويأتي أولاً، ارتفاع منسوب كتلة الجسم (= البدانة المفرطة)، ويليه عدم تناول الفواكه والخضر في شكل كاف، وقلّة النشاط البدني، والإفراط في تعاطي التبغ والكحول. ومن الشائع ظهور أعراض السرطان في مرحلة متأخرة من الإصابة، إضافة إلى غياب خدمات كافية في تشخيصه مبكراً وعلاجه بكفاءة.

وفي عام 2015، لم تسجل سوى 35 في المئة من البلدان المنخفضة الدخل مستوىً مقبولاً في خدمات القطاع العام المستندة إلى علوم تلك الأمراض. وفي المقابل، زادت تلك النسبة على الـ90 في المئة في البلدان المرتفعة الدخل. ولا يمتلك سوى بلد من أصل خمسة بلدان منخفضة أو متوسّطة الدخل، ما يلزم من بيانات لدفع عجلة رسم سياسات مكافحة الأورام الخبيثة.

ويأتي سرطان الرئة في مقدمة الأنواع المسبّبة للوفاة عالميّاً، يليه على التوالي سرطانات الكبد والقولون والمستقيم والمعدة والثدي.

 

التصوير المُكلِف

وتتصدر الأورام الخبيثة في الثدي قائمة السرطانات التي تصيب النساء عالميّاً، من دون تمييز بين بلدان نامية وأخرى متقدّمة! في المقابل، يُلاحظ ارتفاع معدلات ذلك السرطان في العالم الثالث نتيجة زيادة متوسط العمر المأمول، وزيادة التوسّع العمراني، واعتماد أنماط الحياة الغربيّة وغيرها.

على رغم إمكان مساهمة إستراتيجيّات الوقاية في الحدّ من بعض أخطار الإصابة بسرطان الثدي، فإنّها لا تمكّن من التخلّص من معظم حالات ذلك السرطان. ويلاحظ أيضاً أنّه يشخّص في مراحل متأخّرة في البلدان المنخفضة أو المتوسطة الدخل. ولذا، يعتبر الكشف المبكّر عن سرطان الثدي من أفضل مقاربات المكافحة والوقاية، إضافة إلى كونه حجر الزاوية في تحسين معدلات الحياة لدى المرضى.

وبالنسبة إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، توصي المرجعيّات العلميّة بانتهاج إستراتيجية الكشف المبكّر المستندة إلى التفطّن إلى العلامات والأعراض الأولى، وفحص الثدي بالطرق السريريّة في العيادات الخاصة والعامة. ويجدر التنبّه أيضاً إلى أنّ التصوير الإشعاعي للثدي مكلّف للغاية ولا يوصى باللجوء إليه سوى في البلدان التي تمتلك بنية تحتية صحية جيّدة، وتستطيع تحمّل تكاليف تنفيذ برنامج يستند إلى التصوير.

ويتوجّب على كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي تواجه العبء المزدوج المتمثّل في سرطان عنق الرحم وسرطان الثدي، الاضطلاع بتدخلات توليفية عالية المردود وزهيدة التكلفة من أجل التصدي لهذين المرضين، توخياً لتحقيق وقاية ناجعة منهما.

وتسعى «منظّمة الصحّة العالميّة» إلى تعزيز مكافحة سرطان الثدي في إطار برامج وطنية مختصة تتكامل مع برامج شاملة في الوقاية من الأمراض المزمنة غير المعدية، كارتفاع ضغط الدم، والأمراض العصبيّة المزمنة، واضطرابات القلب والجهاز الدوري، والأمراض المزمنة في جهاز التنفّس وغيرها.

وتجري المنظّمة حالياً، بدعم من «مؤسّسة سوزان ج. كومين» Susan G. Komen (وهي مؤسّسة أميركيّة خاصة تنشط عالميّاً لمكافحة سرطان الثدي) دراسة مدتّها خمسة أعوام لتحديد النجاعة الاقتصاديّة لبرامج مكافحة سرطان الثدي في 10 بلدان منخفضة أو متوسطة الدخل. ويعتبر المشروع أداة كفؤة في تحديد تكاليف البرامج الصحيّة، ودراسة مدى إمكان تحمّل تكلفتها. ومن المتوقّع أن يساهم المشروع في توفير بيانات تمكّن من رسم سياسات مناسبة في مكافحة سرطان الثدي في البلدان الأقلّ نمواً.