الإعلام والقوى الناعمة

حمد القاضي |

لكل عصر آلياته وعناصر قوته وخطابه الإعلامي والثقافي، ولم تعد أداة قوة العصر، فقط كما أصّل أبوتمام:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حدِه الحدّ بين الجد واللعب دخل لاعبون جدد لهم من قوة التأثير مثل تأثير القوى المادية، وأحياناً أقوى تأثيراً من القوى المادية والعسكرية. لقد دخلت وبكل قوة الثقافة بكل مساراتها، والفن بأطيافه كافة، ودخل الكتاب والصحيفة والمجلة والتغريدة و«واتساب» و«فيسبوك» والـ«إيميل» و«سناب» و«يوتيوب»، إلى بقية أفراد هذه القبيلة العصرية. يظن بعضهم أن هناك تقاطعا بين الإعلام، بكل أدواته، والقوى الناعمة بتنوعاتها كافة، والصحيح أن بينهما تناغماً، بل ارتباطاً عضوياً، فالإعلام هو الجسر الذي تصل من طريقه مخرجات الفنون والثقافة إلى الآخر المتلقي. وبغير ذلك يضحي الكاتب بكتب لذاته، والفنان التشكيلي يرسم لوحته ليمتع عينيه، وكذا الناشطون في «تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما، فإنهم سيخاطبون أنفسهم إذا لم يكن لهم من يصغي إليهم، متابعين ومتلقين ومريدين.

لكن هذا السؤال الذي ينهض هنا بحجم مآسي أمة العرب: ماذا تقدم وسائط الإعلام من مخرجات الثقافة والفن؟ وهنا يتوقف تأثيرها سلباً أو إيجاباً، وينبت سؤالان آخران: متى تحسن الوسائط الإعلامية إلى القوى الناعمة، من ثقافة وفنون؟ ومتى تسيء؟

وهل هي خدمتها، أما أنها هي خدمات الإعلام. هذه أسئلة مطروحة ومشروعة!

ليس في أوساط النخب، بل لدى كل الناس، بمختلف ثقافاتهم وأجناسهم وجنسياتهم وأعمارهم، وهنا يأتي السؤال الأهم، ولعله حجر الزاوية:

متى يكون الإعلام ناشراً لرسالة الثقافة والفن؟... الرسالة الجميلة والفاعلة والمؤثرة ايجاباً في الفرد والمجموعة، لن أستطيع تقديم إجابة تقطع قول كل خطيب وأختزل إجابتي بمقاربة إجابة: هي تكون منابع تنوير، أعني منصات الإعلام - قديمها وحديثها - عندما يكون لدى ناشطيها رسالة، تماماً كما المبدعين في الثقافة والفن، وهنا فقط يستطع نشطاء الإعلام المقروء والمرئي والرقمي أن يجعلوا المحتوى يشكل فكر وتوجه الناس نحو بوصلة الوعي والعطاء والتفاعل، وهي التي تجعل المتلقين يتماهون مع التحديات التي تواجه أوطانهم، ويرتقون إلى المشاركة في منظوماتها الحضارية والتنموية، وبهذا يكونون عوناً فاعلاً لها لا عبئاً عليها، وهذا في ختام الأمر يتوقف على المحصلة التي يطرحون، وما يختارون ضخه من الثقافات والفنون، إن داخليا أو خارجياً. وبكل هذا يمكن أن يكون للقوى الناعمة وهجها المستنير أم دجاها المعتم، ويتمثل الأجمل بوجه الثقافة وبمخرجاتها من رحيقها الذي يروي، لا حريقها الذي يردي؟ إن رسالة المثقف والفنان والإعلامي تتلاقى ولا تتقاطع.

 

 

جزء من ورقة قدمت في ندوة بعنوان «الإعلام والقوى الناعمة (الثقافة والفنون)» ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب المقام حالياً.

حمد القاضي.