القاهرة : «ماسبيرو» في «نيو لوك» يفاقم الإحباطات

القاهرة – أمينة خيري |

الإعلانات المهيبة في شوارع القاهرة والمدن الكبرى الرئيسة تنبئ بأن تحولاً ما جللاً وتغييراً ما كبيراً يوشك أن يحدث. اللون الأصفر الكناري مع صور المذيعين والمذيعات الممثلين منهم ولاعبي الكرة والـ «شيفات»، إضافة بالطبع إلى القادمين من قلب الصنعة، صنعة الإعلام التلفزيوني.

لكن صنعة الإعلام التلفزيوني التي تعرضت لهجمة شرسة قبل نحو عقد من قبل «أسطوات» الإعلام الصحافي المكتوب تتعرض هذه الآونة لعمليات شد وجذب، وتلسين وتلميح حول من اقتحم عقر دار من؟ ومن يستحوذ على فرص من؟

قبل عقد أو أكثر قليلاً كانت هذه السجالات والاحتقانات تدور رحاها بين من جلسوا على مقاعد المذيعين باعتبارهم مذيعين تلفزيونيين اختصاصهم التقديم التلفزيوني وعملهم قراءة الأسئلة المكتوبة أمامهم بعد سرد مقدمة الحلقة المعدة سلفاً من قبل طاقم الإعداد من جهة، وبين القادمين من غرف التحرير والعمل الصحافي المكتوب الميداني، والذين اعتبروا أنفسهم في مكانة أعلى وذوي مميزات أفضل لأنهم صانعو الخبر وراسمو السياسة الصحافية ومحددو سير توجيه الرأي العام من وحي ما يختارون من أخبار وما يحللون من أحداث من جهة أخرى.

هذه الأيام، وبعدما استقر الاحتقان بين أصحاب الوجوه التلفزيونية الجميلة وملاك الصنعة الصحافية العتيدة، تسليم بالأمر الواقع واعتراف ولو ضمني بحتمية المعرفة الصحافية جنباً إلى جنب مع وسامة المظهر وجمال الإلقاء.

ويوم ألقى المسؤولون الخبر القنبلة على رؤوس مذيعي «ماسبيرو» بأن سلسلة برامج جديدة على وشك الظهور على شاشات التلفزيون الرسمي، وأن غالبيتها المطلقة تعتمد على طاقم من المذيعين والمذيعات «وارد الخارج»، قامت الدنيا ولم تقعد بعد. القادم من «الطريق الدائري» أو «طريق السويس» أو «ميدان الرماية» (أبرز الطرق الرئيسة في مصر) إلى ماسبيرو في وسط القاهرة يخالجه شعور قوي أن ما جذب أنظاره من إعلانات عملاقة، وما دغدغ مشاعره من وعود براقة ببرامج ليس لها مثيل وصور لمقدميها ومقدماتها تعد بأن القادم على شاشات التلفزيون الرسمي حديث جديد فريد يقف على طرف النقيض من المبنى نفسه.

رائحة الزمن العتيق، وآثار عدم التجديد، وأمارات النسيان وتساقط خطط إعادة الهيكلة ومعاودة العصرنة تداهم من يدخل المبنى، بخاصة مساءً. ولحسن الحظ أن الصباح لا يسمح لمثل هذه العلامات بالظهور حيث جحافل الموظفين والموظفات، وصخب الصاعدين إلى المكاتب والباحثين عن ماكينات الصرافة تلقي بظلالها على المبنى.

المبنى الذي أعيدت هيكلته، وحُدثَت صياغته، وتعدلت بنيته عشرات المرات عقب هبوب رياح كانون الثاني(يناير)2011 التي ظن الجميع إنها ستعيد ضخ الحياة إلى الأجساد الميتة، وتعدل الكيانات المعوجة، لم يجد من يهيكله أو يحدثه أو حتى يمده بما يحتاج ليبقى على قيد الأثير.

سكان ماسبيرو من جيش المذيعين والمذيعات تزايدت صدمتهم وتفاقم إحباطهم بتزايد عدد اللافتات الإعلانية العملاقة على الطرق المصرية والمنبئة بقرب خروج «نيو لوك» ماسبيرو شكلاً وموضوعاً إلى النور. أحد المذيعين المخضرمين والذي يقدم برنامجاً يومياً على مدار العقدين الماضيين كان يتوقع أن يكون اسمه على رأس المرشحين لتقديم برنامج يومي جديد ينافس على شاشات ماسبيرو، لكنه فوجئ بأسماء «زملاء وزميلات» إما من خارج المبنى أو هجروا المبنى إلى القنوات الخاصة حيث تألقوا واشتهروا. نبرة الأسى والإحباط ليست حكراً على المذيع المخضرم وحده، لكنها تظهر جلية واضحة لدى غالبية المذيعين والمذيعات من المعينين في ماسبيرو والمتشوقين لفرصة أو خطوة أو إجراء لإعادة تسليط الأضواء عليهم.

لكن الأضواء لا تأتي هكذا! وإعادة الهيكلة لا تحدث هكذا! وتطوير ما تبثه شاشات ماسبيرو أكبر من كونه معركة بين أبناء المبنى والقادمين من خارجه. والمؤشرات تؤكد أن الأضواء المرجوة من قبل أبناء المبنى لن تعود قريباً، ونسب المشاهدة التي هجرت ماسبيرو لن يعيدها تجليس المذيعين المعينين على كراسي استوديوات ماسبيرو.

وأكبر دليل على ذلك هو أن الحراك الحالي الدائر حول ماسبيرو وتطويره والمساءلات حول أدائه تدور في دوائر اقتصادية بعيدة كل البعد عن المحتوى. مجلس النواب المصري يناقش هذه الأيام عدداً من طلبات الإحاطة التي وجهها نواب إلى الهيئة الوطنية للإعلام. تتناول الطلبات مساءلات حول مصير الهيكلة والتطوير وخسائر ماسبيرو وتدريب العاملين. كما تتناول عدد القنوات الكبير والذي وصفه البعض بـ «المبالغ فيه» والذي يمكن دمجه لتقليل النفقات. كما يدور طلب إحاطة آخر حول أسباب تأخر وتوقف صرف معاشات الموظفين الذين أحيلوا على التقاعد في اتحاد الإذاعة والتلفزيون. إلا أن الغالبية العظمى من طلبات الإحاطة تتعلق بالخسائر الاقتصادية وعدم قدرة ماسبيرو على جذب الإعلانات عكس القنوات الخاصة التي تزخر بها.

وبينما تدور رحى طلبات الإحاطة ودفاعات الهيئة الوطنية للإعلام حول المشكلات الاقتصادية وعراقيل صرف أموال المعاشات وأسباب عدم جذب المعلنين، تغيب تماماً نقاشات وسجالات المحتوى ومصير المذيعين والمذيعات المقيدين على لائحة ماسبيرو للرواتب.

وزيرة التخطيط الدكتور هالة السعيد قالت قبل أيام أن الوزارة أوشكت على الانتهاء من إعداد خطة لإعادة هيكلة ماسبيرو وستعرض على مجلس الوزراء لاعتمادها، مؤكدة أن ماسبيرو سيصبح مصدر فخر للمصريين خلال ثلاث سنوات بعد تبني خطة الهيكلة. الخطة تحوي إجراءات الحفاظ على حقوق العاملين المادية. يشار إلى أن تقريراً للجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب أشار إلى أن الهيئة الوطنية للإعلام هي أكثر هيئة تكبداً لخسائر مالية خلال العام الحالي. وكانت الهيئة توقعت خسائر قيمتها 5.86 بليون جنيه خلال عام 2017 – 2018.

وعلى رغم جدية هذه المشكلات وثقل هذه الأعباء المالية، وعلى رغم توقع انعكاس إعادة الهيكلة إيجابياً على محتوى ماسبيرو، فإن أحداً لا يتطرق إلى سبل النهوض الحقيقية بما تقدمه قنوات التلفزيون المصري، أو تدريب مذيعيه ومعديه ومخرجيه ومنتجيه على التقنيات والأساليب الحديثة للعمل التلفزيوني. وربما يؤدي هذا إلى حتمية الاستعانة بمذيعي القنوات الخاصة، أو أولئك الذين هربوا من التلفزيون إلى القنوات الخاصة في سنوات مضت للاستفادة من خبراتهم الحديثة وقدراتهم المواكبة لروح العصر ومتطلباته الإعلامية والتلفزيونية أملاً بالمنافسة.

المنافسة المرجوة والأزمة الداخلية التي تنضح من وجوه مذيعي ماسبيرو الذين ضربهم الإحباط ونال منهم طول الانتظار تتجلى واضحة في انصراف غالبية المشاهدين عن شاشات ماسبيرو، باستثناء «ماسبيرو زمان» التي لا تذيع سوى أعمال ماسبيرو في زمن فات.