«غصة عبور» ... من كابوس إلى آخر

تونس – يسري حسان |

ما الذي فعلته الحرب فينا، من الذي أشعلها ولماذا، وإلى متى ستظل نيرانها مضطرمة، أما من سبيل لسلام ينقذنا من التشتت والضياع، من الجوع والفقر والمرض، من فقدان الهوية والوطن والأهل، وينقلنا من أجواء الرعب والقتامة، إلى أجواء الاطمئنان والبهجة؟

يسعى عرض «غصة عبور» الذي قدمه مسرح الشارقة الوطني في مهرجان المسرح العربي العاشر في تونس، إلى تجسيد المشهد الكامل للمأزق الذي يعيشه الوطن والمواطن العربي. هو لم يشر صراحة إلى مكان أو زمان محددين، لكن الأحداث هي التي أشارت أو ألمحت بشكل فني بعيداً من المباشرة، ربما ليمنح المخرج عرضه إمكانية البقاء واتساع الدلالة، ليخاطب العرض كل إنسان على وجه البسيطة، فقضايا التشتت والضياع نتيجة الحروب ستظل باقية ما بقيت الحياة.

العرض الذي كتبت نصه الكويتية تغريد الدواد، وأخرجه الإماراتي محمد العامري، قامت فكرته على وضع الشخصيات في مأزق، ومن خلال هذا المأزق تسرد علينا كل شخصية قصتها ومأساتها، وهو ما يعيدنا مثلاً إلى «سكة السلامة» التي كتبها سعد الدين وهبة وقدمها المسرح المصري في ستينات القرن الماضي، وإن اختلف الأمر هنا، سواء لجهة التقنيات المستخدمة، أو من جهة الرؤية الإخراجية، أو من جهة المعاصرة التي يحملها الموضوع الذي يعالج مشكلة تخصنا هنا والآن، فضلاً عن أن «دراما المأزق» لا تخص سعد الدين وهبة فحسب، فقد عالجها المسرح العربي والعالمي كثيراً من قبله ومن بعده، والتدليل به هنا للتذكير بطبيعة الدراما المقدمة.

نحن أمام جسر، لا يوجد غيره، للعبور من لا مكان إلى آخر، أمام مواطنين مختلفي الأعمار والمشكلات والمآسي، وكل عابر لديه أزمة، فهناك من يفر من هنا إلى هناك هرباً من الحرب التي تشهدها بلاده، وهناك من تفر من زوجها الإرهابي بعد أن حملت منه، رفضاً منها للمشاركة في الحرب التي يخوضها باسم الدين، وهناك من يفر من غربته تاركاً أولاده في الغربة ولا يعرف إلى أين سيذهب أصلاً.

إنها قصص عربية بامتياز يشهدها واقعنا الآن، أما حارس الجسر الذي يتحكم في العابرين، فقد بدا من خلال ملابسه على هيئة شخص أجنبي، في دلالة على تحكم غيرنا في مصائرنا، فهو الذي يسمح بالعبور أو لا يسمح، هو الذي يحرض ويأمر، وفي الغالب يستغل كل عابر لتحقيق أغراضه الشخصية.

أربع شخصيات معذبة ومقهورة ولا وطن لها، سيدة حامل كانت فرت مع شاب أحبته لكنها اكتشفت أنها فرت إلى الجحيم، حيث فوجئت بوجودها داخل مملكة الإرهاب، الجنة التي وعدها بها حبيبها، ما يشير إلى « داعش» الإرهابي، فهربت منها إلى ذلك الجسر الذي لم يكن أكثر أمناً وسلاماً مما هربت منه، هي تفر من كارثة إلى أخرى.

شاب في مقتبل عمره، احتل الإرهابيون وطنه، لكن طعنته التي تلقاها كانت أشد إيلاماً ولم تخلف له سوى العار، إذ اغتصب الوحوش أمه ثم قاموا بقتلها فلم يجد مفراً سوى الهروب من عاره، ورجل مسن اكتوى بنيران الغربة فقرر الرجوع إلى وطنه الذي لا يعرفه فيه أحد، وطنه الذي لا يعرف حتى كيف السبيل إليه، بعد أن ترك أولاده هناك في غربتهم لرفضهم العودة إلى المجهول، فنيران الغربة أكثر شفقة من نيران وطن حولته الحرب إلى جحيم، وشاعر كتب مئات القصائد حباً في وطنه لكن الوطن الذي لم يعد قادراً على تعاطي الشعر، نبذه ولم يعترف به فقرر تركه إلى حيث المجهول هو الآخر.

هكذا نحن أمام أربع شخصيات لكل منها مأساتها، والحارس يتحكم فيها جميعاً، يغري الشاب الذي اغتصبت أمه بالعودة للانتقام فيمنحه مسدساً ويطالبه بالعودة من حيث أتى، للأخذ بثأره، وبعدها يعود إلينا الشاب مضرجاً في دمائه، وهو الذي يحاول إغراء السيدة الحامل بالعودة مجدداً من حيث أتت حيث ستجد من يقدر أنوثتها ويمنحها ما تريد، وحتى بعد أن يقوم أحد العابرين بقتل هذا الحارس، يظهر لنا آخر بهيئة أجنبية أيضاً حاملاً معه إغراءاته ووعوده الكاذبة، وكأنها دائرة لا فكاك منها، في ظل واقع مأزوم وأوطان تتهاوى.

قام مهندس الديكور بتصميم جسر ضخم متحرك، حتى يبدو الأمر أكثر واقعية وأكثر احتداماً، لم يلجأ إلى الإشارة بتصميم أكثر بساطة يغنيه عن ذلك الجهد، وقد أحسن استغلال الجسر ووظف أسفله كمكان تخرج منه كائنات شريرة تدفع بالعابرين إلى العودة من حيث أتوا، في دلالة على الحصار الكامل للشخصيات المعذبة الهائمة على وجوهها، والتي لا تعرف تحديداً الجهة التي تختار، فالكل هنا في وضع كابوسي دعمته أكثر الإضاءة التي تراوحت ما بين الأحمر الدال على الدم، والأصفر الدال على العدم أو اللاشيء، والموسيقى التي تميزت بحدتها وتوترها، وأجساد الممثلين «إبراهيم سالم ومحمود أبو العباس وحميد سمبيج ورائد الدالاتي وبدور وأحمد أبو عراده، التي تم استخدامها على نحو يشي كذلك بالعدم والضياع والتشتت والحيرة.

إنه الكابوس ولاشيء غيره، وإذا كانت الشخصيات العابرة قد ظلت معلقة على ذلك الجسر، فقد ظل العرض أيضاً معلقاً ومفتوحاً على احتمالات عدة، ليس من بينها العودة بسلام، فكل شيء هنا يشي بالضياع والتشتت ويكتفي بطرح السؤال، حتى الجسر نفسه يتحرك في اتجاهات شتى، كلها لا يؤدي إلى وجهة قد يقصدها العابرون أو أحدهم، الكل ضائع والكل معلق ولا يعرف وجهته، إنها الحرب.