عزلة الكائن تحت وطأة المكان

بيروت - مهـى سلطان |
لوحة من معرض شوقي شمعون

ما الذي تغيّر أو تحوّل في مسار الفنان التشكيلي شوقي شمعون في نتاجه الأخير الذي يعرضه في غاليري مارك هاشم (ميناء الحصن- لغاية أواخر شباط - فبراير) خصوصاً أن أعماله من عام إلى عام تشهد على المزيد من الجهد في الاختبار بحثاً عن أفق جديد؟ لعل النظرة الأولى تعطي سريعاً المنحى الاختباري الذي يزاوله مؤداه الجمالي، بسبب الحضور المتميز للخامات النافرة على سطح اللوحة بإيحاءاتها وملامسها، يضاف ذلك إلى التوهج اللوني الحاد الذي يتراءى خلف الشبكة المعدنية التي تسمك بأهداب النوافذ والشرفات وأقواس المباني العملاقة وواجهات الطرقات المزنّرة بالأطياف الإنسانية، وهي تتنزه وتتلاقى وتتجمع وتتفرق على غير هدى، وكأن هؤلاء الناس هم شهود على التغييرات العميقة التي أصابت ذاكرة المكان، حتى أمست رموزاً من معالم المدينة الجديدة.

المدينة على هيئة متجر كبير أو سوق يغص بعارضات الأزياء وواجهات المحلات التجارية. والحالمون بالغد تتقاطع دروبهم وسط مشاريع إعمارية ضخمة في نظام سكني جديد، مرتب ونظيف وديناميّ في آن واحد، حتى يبدو وكأنه آتٍ من كوكب آخر، أو من عالم الافتراض. والفنان يذهب إلى اللاواقعي واللامجازي والنقدي كي يصيب مضامين الفكرة أو مقاصدها، وهو يقدم صورة عن الثقافة البصرية المتحضرة المزعومة لزماننا في منظومة من وحدة القيم الجمالية والأخلاقية، تلك المنظومة التي يشتغل فيها على التنسيق بين التشخيص والتجريد معاً، في حقل واحد حيث تتبدى علاقات الأشكال بعضها ببعض في ترابط وانسجام.

فالأشكال كما يراها الباحث رينيه هويغ من وجهة نظر فيزيائية تدل على «القوى» وهي معرّضة للتغيرات، بناء على آلية العلاقات التي تتحكم بنظامها وأجزائها. لذا حين نتحدث عن أشكال شوقي شمعون فإننا نشير إلى القوى التي تعبّر عن نظم التفاعل بين ثنائية الإنسان والمحيط، والفضاء والوقت، وبين المعمار والحقول الممغنطة للألوان. فالهندسة التي اعتمدها شوقي شمعون تقوم على بناء مثلثات وهياكل لأشكال مروحية وأقواس منحدرة من دائرة وهمية تميل أحياناً إلى المخروط، والمعروف أن القوس متجذر في الوقت، ليس لأنه يعيد بناء الحركة بل لأنه يوحي أيضاً بالسرعة. وبين الحركة والسرعة ثمة لحظة خاطفة يقوم فيها شوقي شمعون على إعادة تعريف العالم.

بين البحث عن الجمال الظاهريّ واللاإستقرار المواديّ، فإن التحديات التي يرسمها الفنان بينه وبين نفسه، تظهر بجلاء من خلال التحديث العميق للتيمات التي اعتادها في مراحله السابقة التي كرّسته كواحد من أبرز فناني المعاصرة اللبنانيين. هذه التيمات التي تعتمد على عنصر الدهشة التي تحدثها الضخامة الشكلية في أحجام جدارياته من جهة، وضخامة الطبيعة بعناصرها وجبروتها التي يتواضع أمامها الإنسان ويصغر. لذا فإن الفكرة المموّهة للشريط الإنساني الملون الذي يقف على الحافة السفلية من الأمكنة الصرحية، ظلت من الثوابت التي حافظ عليها الفنان والتي تحيل على التطابق بين فعل المشاهدة في الرسم وأداء الناظرين في المعتاد. أما المساحة المديدة فهي لطالما كانت تمثل الشغف الحقيقي للفنان، منذ بداياته وما زالت تشكّل الملعب الذي يحب أن يشرد فيه بلا حدود. ونكتشف معه أكثر فأكثر أن تأثيرات مدرسة نيويورك التي تركت بصماتها على مراحله السابقة قد تراجعت لكنها لم تنته، ذلك لأن الميول العفوية لدى شوقي تعلن عن نفسها من خلال طاقة يده وقدرتها على اللعب والتحرّك في كل الجهات، مع ضربات الألوان المرتجلة التي لا تلبث أن تتمايل وتتراقص وتتلبّس هيئات وجوه وقامات تعرض نفسها علينا، فتأخذنا أحياناً إلى أهواء العواصف اللونية التي تهب من حولها وفي مداراتها وبين طياتها، وهي على رغم ضآلتها، ما زالت تحتفظ بوقفاتها وظلالها وأناقة حضورها مع شيء من الحيرة والقلق إزاء الحوائط التي تزداد سمكاً وكبراً وعلواً وسطوة وهيمنة. والوقوف على الأثر لم يعد من أطلال الشعر وتداعياته وخيالاته بل أمسى جزءاً من هوية المكان الذي تضل فيه الأقدام.

كأن الظاهر الجمالي يتعالق مع المضمون الدرامي للموضوع الذي ينتمي بقوة إلى مأساة الجدران العازلة، هذه الجدران الملونة الجميلة التي يقيمها الفنان على أسس التشييد المعماري للمكان الافتراضي، بمواد مشابهة لمواد البناء، كي يبني أروقة وصروحاً تشبه في هندستها وضخامتها وغرابتها، نمط العمارة المعاصرة التي تتحدى الفضاء بأشكالها وتصاميمها لاسيما أنها فرضت نفسها وإيقاعها على أسلوب معيشتنا وفضاء تنقلاتنا. فالفنان لا يفكر كرسام فحسب بل يبحث عمّا هو أبعد من المواد التقليدية، كي يعلن العصيان على الصمت ومعايير الجمال كمبتغى ومِثال، إلى قراءة مآزق العصر العربي الكبير العصر السجين بين جدران العزل وغربة التحوّل نحو المجهول.