المصري وائل فاروق يبدع في الكونشرتو الثاني لبرامز

القاهرة – كريمان حرك |
أوركسترا القاهرة السمفونية تحيي الجمهور

كانت حفلة أوركسترا القاهرة السيمفونية التي أقُيمت على المسرح الكبير في دار الأوبرا المصرية أشبه بهدية ثمينة إلى عشاق هذا النمط الموسيقي، إذ تضمن البرنامج مقطوعات نادرة من التراث.

قدم العازف المصري وائل فاروق سوليست لكونشرتو البيانو والأوركسترا رقم (2) في سلم بيمول الكبير مصنف رقم 83 للمؤلف الألماني الشهير يوهانس برامز، وحاز أداؤه إعجاب الجمهور.

وكتب المؤلف الألماني الكونشرتو الثاني بعد 22 سنة من كتابته الكونشرتو الأول وعزف للمرة الأولى في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1881 في مدينة بودابست في هنغاريا، وعد برامز العازف الأول للسوليست وحقق نجاحاً كبيراً، إتاح له العزف في ألمانيا والنمسا وهولندا، ما جعل عازف البيانو الشهير ريشتر Richter يعزفه ويسجله مع أوركسترا شيكاغو السيمفوني عام 1961، واكتسب مكانة في العصر الحديث.

ترك برامز خلال مسيرته الفنية أربعة كونشرتات، أبرزها الثاني، إذ تبين فيه نضج فني في الكتابة الموسيقية أظهرت تميزاً في الأداء، وعُد أبرز خصائصه البناء الموسيقي المحكم، فهو ليس مجرد خلفية للعازف المنفرد وإنما له دور منافس لآلة البيانو، إضافة إلى بُعد درامي واضح، إذ أصاغه المؤلف في حركات أربع بدلاً من ثلاث تقليدية.

عُرف الكونشرتو الثاني لبرامز بـ «سيمفونية مع صولو بيانو» ويُعد من الأعمال الأطول والأصعب في الأداء، إذ لا يُعد من الريبرتوار المعتاد لعازفي البيانو، الكونشرتو من الرصيد الفني لأوركسترا القاهرة السيمفوني اذ سبق تقديمه عام 2009 وكان يؤديه أيضاً العازف وائل فاروق للمرة الأولى في حياته وكان قائد الحفل حينئذ المايسترو الفرنسي الزائر آلان باري. فيما كان قائد الحفل هذه المرة المايسترو أحمد الصعيدي الذي يقدم العمل للمرة الأولى. ومع هذا استطاع أن يحدث توازناً مطلوباً بين البيانو والأوركسترا وكان واضحاً فهمه الجيد الأدوار الفردية التي يعزفها عدد من الآلات المختلفة، إذ إن الحركة الاستهلالية تبدأ بعزف منفرد لآلة الكورنو أداها العازف بالنعومة والرقة المطلوبة ثم مهدت مجموعة الآلات الخشبية بموتيفات لحنية بعدها تتسلم اللحن آلة البيانو بعزف منفرد «كادنسة» التي وضعها برامز بعكس مكانها الطبيعي إذ إن «الكادنسات» دائماً تعزف في ختام العمل وليس في البداية.

وكان لآلة التشيللو أيضاً أكثر من عزف منفرد أبرزها بداية الحركة الثالثة. والمايسترو هنا استطاع أن يمسك بخيوط العمل المتشابكة التي ساعدت على ظهور الملامح الفنية للعمل بوضوح ومن دون أن تطغى إحداهما على الأخرى فحافظ هنا على أهم ميزات التأليف عند برامز الذي لا يعتمد على العازف المنفرد وإنما على الأوركسترا بكامله ويعطي الأهمية لمجموعات آلية بعينها وكل ذلك داخل نسيج موسيقي متماسك.

وحاول المايسترو جاهداً أن يكون على وعي بالتوزيع الأوركسترالي والرنين المستخدم في هذا العمل وعلى أبعاده الدرامية وكان ذلك واضحاً في بداية الحركة الثالثة «أداجيو» حيث نجد آلات الفاجوت الغليظة الصوت تعزف في الوقت نفسه مع آلات الكمان الحادة وهذا يحتاج توازناً دقيقاً ليحدث التعبير عن الفكرة التي يريدها المؤلف. وقد نجح المايسترو في هذا مع الأداء الجيد لمجموعة الفاجوت ولمجموعة الكمان بريادة العازف أسامة شحاتة استطاع القائد أن يظهر قدرات الأوركسترا السيمفوني ومهارات عازفيه السوليست.

أما العازف وائل فاروق الذي يدرس في أميركا فحقق نجاحات كبيرة هناك وعزف في عدد كبير من بلدان العالم وفاز في العديد من المسابقات العالمية، وأسعد الجمهور اذ استمعنا إلى عازف ناضج أدى العمل بتمكن وقدرة هائلة في ديناميكيات العزف وأيضاً استطاع أن يظهر بمهارة الملامح النفسية للكونشرتو بطريقة متميزة في المقاطع التعبيرية.

كما نجح في الحفاظ على التباين في الأداء وفق المتطلبات الدرامية للعمل وطبقاً للمدونة الموسيقية فنجده يؤدي بقوة وصلابة وتعقبهما نعومة ورقة من دون خلل وبدقة متناهية تبعاً لفكرة المؤلف برامز، والجميل أن هذا العازف ذو ذاكرة قوية ظهرت في تقديمه للعمل غيباً محافظاً على تفاصيله الصغيرة وعلى التنوع في الأجواء النفسية وأيضاً في التقنيات المستخدمة.