«نوت بيتيا»: حرب هجينة في العالم الافتراضي

كتب أحمد مغربي |

إنّها المرَّة الأولى التي تُدين فيها واشنطن رسميّاً الجيش الروسي بشن ضربة إلكترونيّة استراتيجيّة، وهي سابقة في العلاقات الدوليّة، تُستخدم فيها لغة حربيّة خالصة في وصف الهجمات الافتراضيّة، وكذلك هي المرّة الأولى التي يكرّس مصطلح «الحرب الهجينة» في وصف حروب الإنترنت مع نظيراتها الفعليّة.

وبلهجة ربما لم تُستخدم منذ التوتر بين قطبي «الحرب الباردة» إبّان أزمة الصواريخ الكوبيّة الشهيرة في خمسينات القرن العشرين، دان «البيت الأبيض» موسكو بأنها وجّهت ضربة استراتيجيّة دوليّة عبر فيروس «نوت بيتيا».

أتى التشديد على الطابع الاستراتيجي- الحربي للضربة عبر ربطها بالحرب الفعليّة في أوكرانيا (وهي مواجهة مسلحة شبه منفردة بين حلف «ناتو» وروسيا)، والتدخل الإلكتروني في الانتخابات الأميركيّة، بل بعد أيام من نشر مجتمع الاستخبارات الأميركيّة تقريراً يتوقّع حدوث تدخّل مماثل في انتخابات الكونغرس النصفيّة في الخريف المقبل. وجُمِعَت تلك الأبعاد كلها لتكون المعنى الاستراتيجي المعاصر لمصطلح «الحرب الهجينة»، الذي يشير إلى تداخل حروب الإنترنت والسياسة والإعلام والأسلحة سويّة.

لكم ما هو الرد؟ وماذا عن نظام «سويفت»؟ وهناليس مجازفة القول إن الذكاء الاصطناعي هو الخيط الفعلي الذي يربط تلك الأبعاد كلّها، ما يجعله بعداً أساسيّاً في وصف الصراعات الكبرى في القرن 21. يكفي القول إن الذكاء الاصطناعي هو الذي مكّن من تحليل كميات ضخمة من البيانات المتحركة عبر الـ «سوشال ميديا» للجمهور الأميركي، ما أعطى أداة للتلاعب بميوله الانتخابية عبر ضخّ بارع لأنواع من الأخبار تتلاعب بأعصاب معيّنة في ذلك الجمهور. ورُسِمَت تلك الصورة في مجموعة كبرى من تقارير الاستخبارات الأميركيّة، بل أقرّ بها الرئيس السابق جورج دبليو بوش أثناء زيارته الإمارات أخيراً.

وكذلك لا يصعب إدراك أنّ الأسلحة الفعليّة الحديثة باتت فائقة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، في تطويرها وتوجيهها، بل أنّ أدواته هي في القلب من مكوّناتها، بداية من الصواريخ الذكيّة ومروراً بالـ «درون» والنظم المتقدّمة في القيادة والتوجيه وضرب النظم الإلكترونية للجيوش، ووصولاً إلى التجسّس الإلكتروني على شبكات الاتصالات العالمية وغيرها.

ولعب الذكاء الاصطناعي دوراً محوريّاً في صنع فيروس «نوت بيتيا» الذي وُصِف بالأسوأ في تاريخ الضربات الإلكترونيّة، مع الإشارة إلى أنّه جاء بعد أسابيع قليلة من انتشار فيروس «وانا كراي» الشهير، الذي نسبته الإدارة الأميركيّة أخيراً إلى كوريا الشماليّة.

وفي صيف 2017، ضرب «نوت بيتيا» نظماً إلكترونيّة وشبكية وصناعية، وألحق خسائر ببلايين الدولارات، إضافة إلى أن أوكرانيا عانت بشدة من وطأته. وآنذاك نقلت مؤسّسة «بي بي سي» عن خبراء وحدة الاستخبارات في شركة «سيسكو تالوس» حديثهم عن الذكاء الاصطناعي المتقدّم في فيروس الفدية الجديد، مشيرين إلى أنه يشمل مكوّناً إلكترونيّاً متطوّراً هو «مي دوك» MeDoc ربما كان مسروقاً من مؤسّسة الضرائب في أوكرانيا، ما يفسر أيضاً ربطه بالحرب في ذلك البلد. واستطراداً، ليس مجازفة اعتبار الإدانة الرسميّة الأميركيّة لروسيا هي إعلان حرب هجينة أولى للذكاء الاصطناعي في القرن 21.

وعندما ضرب «نوت بيتيا» في صيف 2017، أشار خبراء إلى كونه نسخة متطوّرة من فيروس «واناكراي» الشهير، خصوصاً لجهة استخدامه ثغرة «إيترنال بلو» المتسرّبة شيفرتها من «وكالة الأمن القومي» الأميركيّة، التي كانت تحتفظ بها كي تكون سلاحاً في حروب الإنترنت، فوصلت إلى مجموعة قراصنة «شادو برودكاست»، فانقلبت سلاحاً ضرب العالم بأسره.

وفي سياق توتر سياسي- استراتيجي غير مسبوق منذ عقود، هدد البيت الأبيض بعواقب دوليّة ضد روسيا من دون توضيح تفاصيل الردّ على الضربة الروسيّة. وطري في الذاكرة أن إدارة الرئيس باراك أوباما درست خيارات للرد في 2016، بعد أن أجهضت الاستخبارات الأميركيّة محاولات روسيّة لاختراق ماكينات إحصاء الأصوات في الانتخابات. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» لاحقاً أن خيارات أوباما شملت تسديد ضربات إلكترونيّة ضد شبكات روسيا، ودس أسلحة فيروسيّة فيها، وحتى إرسال حاملات طائرات إلى بحر البلطيق، إضافة إلى عقوبات اقتصادية وديبلوماسيّة. ولم ينفذ أوباما إلا الشق الأخير من تلك الخيارات.

ترى كيف تكون خيارات الرئيس دونالد ترامب، وهو المتهم بأنه المستفيد من جزء من الحرب الروسيّة الهجينة ضد بلاده؟ هل تكشف موسكو مستقبلاً أن الضربة الإلكترونية التي طاولت شبكتها المتصلة بنظام «سويفت» للتحويلات الماليّة الدوليّة، هي جزء من رد أميركي على «نوت بيتيا»؟.