حياة الفلسطيني بين «اللوز المرّ» ... والأمرّ

خلود عمرو |

كتبت ليلاس طه، الروائية الفلسطينية المقيمة في أميركا، روايتها «لوز مر» بالإنكليزية وتختار تقديم حكايتها بعيداً من السياسة وقريباً جداً من الصراعات التي تجول في قلوب شخصياتها وما تمثله من قاسم إنساني مشترك مع جميع البشر. ولعل هذا أسهم في فوز الرواية بـ «جائزة الكتاب الدولية» للتعددية الثقافية التي تُمنح سنويا في الولايات المتحدة. تقدم الكاتبة لقراء الإنجليزية الإنسان العربي الفلسطيني والسوري، المسلم والمسيحي، عبر عائلة أم جورج وعائلة رافد، في سياق حياة عادية وبمفردات ثقافية بسيطة ومباشرة، بحلوها ومرها، بعيداً من سياقات السياسة أو مقولات الإرهاب والخطاب الإعلامي والسينمائي الغربي. أفرز ذلك الخطاب صوراً نمطية للاجئ العربي عبر عنها أحد الكتاب الكنديين بقوله إن من يعانون من العنصرية وآفة العداء للآخر في بلده لا يرون في المهاجر العربي سوى شخص مثير للشبهات يحمل أسماء غريبة ودين عجيب وأطعمة روائحها مقرفة. ليلاس تقدم هؤلاء المهاجرين بأسمائهم الغريبة ودينهم العجيب وعبق حياتهم للقارئ الغربي حتى يتعرف عليهم بعيداً من تلك الصور النمطية المسبقة.

لوز الحياة المرّ أو تلك اللحظات المريرة من الصراع بين الخير والشر في قلوب البشر هو صلب هذه الرواية والثيمة الأساسية فيها. وهي قصة انتصار الإنسان أو هزيمته في ذلك الصراع المفتوح على الدوام في قلبه، وليلاس طه تختار طرحها ضمن إطار درامي عائلي تتم فصوله في زمن زاخر بأحداث سياسية وتاريخية جسيمة، يبدأ بولادة عمر في القدس في ظل المذابح الصهيونية في دير ياسين وغيرها من القرى عام 1948 وهروب العم مصطفى مع ماما صبحية وأولادهما ومعهما عمر وفاطمة واللجوء إلى دمشق ومروراً بالعدوان الثلاثي على مصر وقيام الوحدة بين سوريا ومصر وفشلها وحرب عام 1967 ومعركة الكرامة وانتهاء بعام 1970. لكن التاريخ والسياسة يحضران في هذه الرواية كسياق زمني يلقي بظلاله السوداء على المكان وشخصياته من دون أن يكونا صلب الحكاية. فسردية ليلاس معنية بالمقام الأول بما ينهش أفئدة شخصياتها ويؤرق وجدانهم وعقولهم من صراعات بين الخير والشر، بين الوفاء والغدر، الصدق والخيانة، المروءة والأنانية.

تمر العقود ونقف مع عمر في مشهد يقترب من نهاية الحكاية فوق شرفة شقته المطلة على جامعة دمشق في أواخر الستينات متسلياً بأكل حفنة من اللوز. ولحظة يتأهب للفظ حبة مرّة طحنتها أسنانه يعدل عن ذلك ويغمض عينيه. يتجلى له العم مصطفى الذي مات منذ سنوات فيستجمع قوته ويبتلع المرارة ثم يوجه في سرّه تحية عسكرية للرجل الكبير. يدرك عمر في تلك اللحظة، بعد أن بلغ مبلغ الرجال وتجرع من كأس الحياة قسطاً ليس هيناً من المرارة، مغزى ما قاله له العم مصطفى حينما كان فتى يافعاً من أنه يحب اللوز المرّ لأنه يجعل مذاق الحلو أطيب.

في ذلك الوقت المنقضي من منتصف الستينات، كانت النكبة قد حولت العم مصطفى من فلاح يتعرق في أرضه ويستنشق حلو هوائها إلى لاجئ في دمشق يعمل في مصنع خانق للصوف يطبق على رئتيه ويدفعه مترنحاً فوق شفير موت بطيء. وكلما استبد الحنين بالعم مصطفى إلى فردوسه المفقود في القدس يعمد إلى أكل اللوز الدمشقي الذي يحمله إلى شجرة لوز معمرة في بستانه. يقضم مصطفى الحبات في أرض اللجوء فيعود إلى صدر أمه الأرض التي يعرف جيدا أنها منذ أن حملته وأرضعته لبانها فطمته بـ «الصبرة المرّة» كي يدرج فوق مدارج التجربة ويصبح رجلاً. كانت شجرته بمرّ لوزها تعده على الدوام لجبروت الحياة ولرحلته الطويلة فيها وتعلمه ألا يركن إلى الحلو فينسى ما تقتضيه لحظات المرارة من عزيمة وصلابة وخيارات صعبة. فهم مصطفى درس الشجرة جيداً فتجرع مرارة اغتصاب الأرض واللجوء، متحملاً مسؤولياته في المنفى تجاه عائلته الكبيرة ومضيفاً إلى حمله الثقيل تبني طفلي جاره اليتيمين عمر وفاطمة. وواصل مصطفى مسيرته بكل ما تطلبته من كد وعرق حتى الرمق الأخير من حياته ورحل في نهايتها رجلاً يليق بما ربته عليه أرضه الشجرة.

تستجلي الكاتبة مجال هذا الصراع على مستويات عدة (ومُرة) وعبر حبكات عدة لكن الأهم من بينها هو مثلث الحب الذي ترسمه بين ثلاثة منهم، عمر ومروان ونادية. يطبق هذا الحب على قلوب أصحابه مثل المصيدة ويسلبهم القدرة على الفكاك منه، فهو حلو ومرّ في آن واحد. حب يؤرق عمر عندما يتسلل إلى قلبه المراهق فجأة ويحاول التنكر له بالهروب والاستنكار وجلد الذات دون جدوى، فنادية بمثابة أخته التي نشأ وترعرع معها في بيت العم مصطفى وماما صبحية اللذين ربياه منذ ولد. أما نادية التي تظن بأن ما يجمعها بعمر علاقة أخوية استثنائية ولا تحس بمشاعره تجاهها فتقع في غرام مروان، صديق عمر الأعز والأقرب الذي يبادلها مشاعرها جاهلاً بما يكنه صديقه من مشاعر حب دفين لها. وهكذا يجد عمر نفسه مشروخاً بين الانتصار لحبه والدفاع عنه من جهة، واحترام إرادة نادية في أن تكون لمروان والوفاء لصديق لم يتوان طيلة ما يمر به عمر من محن جسام على الوقوف إلى جانبه ومؤازرته بالغالي والنفيس من جهة ثانية. يخشى عمر المهجوس بسؤال التشرد والاجتثاث من اليتم ثانية إن ضاعت منه نادية التي لا يجد دفء البيت والوطن إلا معها. أما نادية ومروان فسرعان ما يبدأ كل منهما باستشعار هذا الحب الثلاثي بعد خطوبة استمرت لسنتين، وعندها تثور التساؤلات والاعتبارات المتناقضة بين الحب والواجب والمروءة والصدق والكذب والخيانة والغدر. على ذلك وإضافة إليه تفتح ليلاس للقارئ الغربي كوة على سياقات الحياة الاجتماعية والثقافية والعادية لفلسطينين عاديين، كي يراهم كما هم في الحقيقة مجرد أناس عاديين شأنهم في الحياة شأن سائر البشر؛ فتقديم القهوة مثلاً يعني استعداد الفتاة المخطوبة للقبول بالتعرف إلى المتقدم لخطبتها، ومساكات فناجين القهوة توجه إلى اليسار فوق الصينية حتى يمسكها الضيوف بأيديهم اليمين، وأهل العروس يمتنعون عن التبسم أو الضحك في العرس كي يفهم أهل العريس أن وراء العروس من يقف لهم بالمرصاد إن حاولوا «استوطاء» حيطها. ويفوح سرد ليلاس بروائح صابون زيت الزيتون والغار وكولونيا الأرز والليمون والكنافة النابلسية الفوّاحة وأقراص الزعتر البريّ وكعك العيد. وبالطبع لا ينقطع نسيم اللوز من مبدأ الحكاية حتى نهايتها... بحلوه ومرّه.