مفهوم العبادة بين ابن تيمية ومحمَّـد عبده

محمَّد حلمي عبدالوهَّاب |
الشيخ محمد عبده. (يوتيوب)

يُبرِزُ ابن تيمية، إلى جوار الـمعنى الأصليِّ للعبادة في اللغة، معنًى آخر لا تتحقَّق العبادة إلا به، وهو «الـحب»! إذ يقول في رسالة «العبودية»: «والدِّين يتضمَّنُ معنَى الـخضوع والذُّل. فدين الله عبادتُه وطاعتُه، والـخضوع له. والعبادة أصلٌ معناها الذُّلُّ أيضاً. لكنَّ العبادة الـمأمور بها تتضمَّن معنى الذُّلِّ ومعنى الـحبِّ، فهي تتضمَّن غاية الذُّلِّ لله تعالى، بغايةِ الـمحبَّة له». وقد تابعه في قوله هذا تلميذه ابن قيم الـجوزية حيث قال في «مدارج السَّالكين»: «فأصلُّ العبادة محبَّة الله، بل إفرادُهُ بالـمحبَّة، وأنْ يكون الـحبُّ كلُّه لله، فلا يُحِبُّ معه سواه، وإنَّما يُحبُّ لأجلهِ وفيه. وإذا كانت الـمحبَّة له هي حقيقةُ عبوديته وسرّها؛ فهي إنَّما تتحقَّق باتِّباع أمره واجتناب نهيه».

والواقع أنَّ العبادة تضمُّ إلى جانب هذا الأصل أصلين آخرين هما: الـخوف، والرَّجاء الذي يقع- بحسب الـهروي في «منازل السَّائرين» - على ثلاث درجات: الدَّرجة الأولى: رجاءٌ يبعث العامل على الاجتهاد، ويُوقظ سماحةَ الطِّباع بترك الـمناهي. الدَّرجة الثانية: رجاءُ أرباب الرِّياضيات؛ وهو أن يبلغوا موقفاً تصفو فيه هممُهم برفض الـملذوذات، ولزوم شروط العلم، واستيفاء حدود الـخدمة. الدرجة الثالثة: رجاءُ أرباب القلوب؛ وهو رجاءُ لقاء الـخالق الباعث على الاشتياق، الـمُزهِّد في الـخلق.

أمَّا الـخوفُ من الله تعالى؛ فيُلازم الرَّجاءَ كجناحيْ الطَّائر إذا استويا استطاع أن يتحرَّك ويطير، وإذا اختلَّ أحدهما حيل بينه وبين ذلك، وهو ما عبَّرت عنه الآية الكريمة: «أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورَا.(الإسراء: 57) حيث اشتملت الآية على درجات الإيمان الثلاث التي لا يقوم بناؤهُ إلا عليها؛ ألا وهي: الـحبُّ، والـخوف، والرَّجاء. فابتغاءُ الوسيلة إليه يعني: طلبُ القُرب منه سبحانه بالطَّاعة والعبادة. كما اشتملت آيتي سورة الـحِجر أيضاً على عاملي الـخوف والرَّجاء: «نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم» (الحجر: 49-50) ومعناها: أقِمْ عبادي بين الـخوف والرَّجاء؛ لِيَصِحَّ لهم سبيلُ الاستقامة في الإيمان؛ فإنَّه مَنْ غلبَ عليه رجاؤُه عطَّله، ومَنْ غلب عليه خوفُه أقنَطَهُ؛ فيما يقول ابن عطاء الأدمي في تفسيره.

لكنَّ الإمام مُحمَّد عبده يرى أنَّ الذي يُميِّز العبادة عن غيرها من مُختلف ألوان الـخضوع وأنماط التذلُّل وضروب الانقياد الأخرى، ليس هو درجة الطَّاعة والـخضوع - فيما يقول اللغويون الذين يرون أنَّ العبادة هي أقصى درجات الطَّاعة والـخضوع- وإنَّما العُمدة في توضيح ذلك يكون بالنَّظر إلى منشأ هذا الـخضوع؛ فإنْ كان منشؤُه وسببُه أمراً ظاهراً كالـمُلْك والقوَّة ونحوهما، فلا يُسمَّى عبادة، وإنْ كان منشؤُه الإقرارُ بعظمة الـمعبود وأنَّه يمتلك قدرة تعلو على قوى الإدراك والـحسِّ معاً، فذلك ما يصحُّ أن نطلق عليه لفظ «العبادة».

ويتساءل الإمام، في معرض تفسيره قول الله تعالى: «إيَّاك نعبُد وإيَّاك نستعين»: ما هي العبادة؟! يقولون: هي الطَّاعة مع غاية الـخضوع. وما كلُّ عبارة تُمثِّل الـمعنى تمام التَّمثيل، وتُجلِّيه للأفهام واضحاً لا يقبل التَّأويل، فكثيراً ما يُفسِّرون الشيءَ ببعض لوازمه، ويُعرِّفون الـحقيقة برسُومها، بل يكتفون أحياناً بالتَّعريف اللفظيِّ ويبينون الكلمة بما يُقرِّب من معناها، وإنَّنا إذا تتبَّعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب لكلمة «عَبَدَ» وما يُماثلها ويُقاربها في الـمعنى؛ كخضَعَ وخنَعَ وأطاعَ وذلَّ، نجد أنَّه لا شيء من هذه الألفاظ يُضاهي «عَبَدَ» ويحلُّ محلَّها ويقع موقعها. ولذلك قالوا: إنَّ لفظ «العباد» مأخوذ من العبادة، فتكثُر إضافته إلى الله تعالى، ولفظ «العبيد» تكثُر إضافته إلى غير الله تعالى؛ لأنه مأخوذٌ من العبوديَّة بمعنى الرِّق، وفرقٌ بين العبادة والعبودية بذلك الـمعنى.

ومن هنا قال بعض العلماء: إنَّ العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى». فعلى سبيل الـمثال يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والـخضوع له غلواً كبيراً حتَّى يفنى هواه وتذوب إرادتُه في إرادته، ومع ذلك لا يُسمَّى خضوعُه هذا عبادةً على وجه الـحقيقة. ويُبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والـملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحرِّيهم مَرْضاتهم ما لا تراه من الـمُتحنِّثين القانتين، فضلاً عن سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمُّون شيئاً من هذا الـخضوع عبادة؛ فما هي العبادة إذن؟!

يجيب الإمام على تساؤله هذا بالقول: تدلُّ الأساليب الصَّحيحة، والاستعمالُ العربيُّ الصريح على أنّ العبادة ضربٌ من الـخضوع بالِغٌ حدَّ النهاية، ناشئٌ عن استشعار القلب عظمةً للمعبود، لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يُدْرِك كُنْهها، وماهيتها، وقصارى ما يعْرفه منها أنها مُحيطة به ولكنَّها فوق إدراكه، فمَنْ ينتهي إلى أقصى الذلِّ لِملِك من الـملوك لا يُقال: إنَّه عبده، وإنْ قبَّل موْطِئَ أقدامه، ما دام سبب الذلِّ والـخضوع معروفاً؛ وهو الـخوف من ظُلْمِه الـمعهود، أو الرَّجاء بكرمه الـمحدود، اللهم إلا بالنِّسبة للذين يعتقدون أن الـمُلْك قوَّة غيبية سماوية أُفيضتْ على الـملوك من الـملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدُّنيا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتَّخذوا الـملوك آلهة وأرباباً وعبدوهم عبادة حقيقية.

وينتهي الإمام إلى تقرير أنَّ لكلِّ عبادة من العبادات الصَّحيحة آثارها الـمعهودة في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، وأنَّ الأثر يكون على ذلك الرُّوح والشُّعور الذي هو منشأ التَّعظيم والـخضوع، فإذا وُجدت صورة العبادة خالية من هذا الـمعنى لم تكن عبادة على الـحقيقة.

ويضرب الإمام مثلاً لذلك بعبادة الصَّلاة الـمطلوب إقامتها وليس مجرد الإتيان بها، وما يرتبط بذلك من بيان غايتها على نحو ما بيَّن سبحانه وتعالى: «إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والـمنكر»[العنكبوت:45]، كما توعَّد سبحانه الذين يأتون بصورة الصَّلاة من الـحركات والألفاظ مع السَّهو عن معنى العبادة وسرِّها فيه، الـمؤدِّي إلى غايتها بقوله سبحانه: «فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُون الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون» [الماعون: 4-7] فسمَّاهم مُصلِّين لأنَّهم أتوا بصورة الصَّلاة، ووصفهم بالسَّهو عن الصَّلاة الـحقيقية التي هي توجُّه القلب إلى الله تعالى الـمُذكِّر بخشيته، والـمُشْعِر للقلوب بعظيم سُلطانه، ثمَّ وصفهم بأثر هذا السَّهو؛ وهو الرِّياء ومنع الـماعون.

والرِّياء بحسب الإمام يقع على ضربين: رياءُ النِّفاق، ورياء العادة؛ وهو العمل بحُكمها من غير مُلاحظة معْنى العمل وسرِّه وفائدته، ومُلاحظة مَنْ يُعْمَل له ويُتقرَّب إليه به، وهو ما عليه أكثر النَّاس؛ فإنَّ صلاة أحدهم في طور الرُّشد والعقل هي عينُ ما كان يُحاكي به أباه في طور الطُّفولة عندما يراه يُصلِّي، يستمرُّ على ذلك بحُكم العادة من غير فهمٍ.