قصتان.. تردد

منى ياسين |

حين دَخَلَت إلى المكان الشهير القائم في أكبر شوارع ذلك الحي العريق في وسط العاصمة، كانت وجلةً تصطحب معها تردداً لا تعرف سببه، وإن عرفته هو طوال سنوات عمرها الصغير. يقولون هنا ملتقى الأدباء والشعراء والرسامين، ومقصد شباب الفن ومدعيه والمأخوذين بأجوائه من الباحثين عن اعتراف وهوية. لم تدخل المكان من قبل ولا فكّرت في ذلك حتى مساء الأمس، ساعة أُعلن عن اسم الفائز بإحدى الجوائز الأدبية المرموقة.

عرفت من زملائها الأكثر خبرة بدهاليز العاصمة والأسرع انطلاقاً في تلافيفها أن هنا مقامه المختار وأن عليها القدوم مساءً إن أرادت إجراء حوارٍ معه لجريدتها. دلفت إلى مدخل واسع في بناية فرنسية الطراز من بقايا قاهرة عريقة لا يكاد يعرفها أبناء هذا الجيل. حدّقت بعينين دهشتين في ربوع القاعة الفسيحة الخافتة الضوء. أسقف عالية قديمة يلتف حولها حزام من النقوش الحجرية البديعة. «لا بد أن التاريخ كان حاضراً هنا يوماً»! حدّثت نفسها قبل أن تعي أن وقفتها حيث هي قد طالت ولفتت إليها أعين المعتادين على المكان. «اكتشفوا، لا ريب، كم أنا دخيلة وغير ملائمة».

غاص قلبها للفكرة وكادت تعود من حيث أتت. شعرت بترددها ينابذها «ألم أقل لك! ما لك وهذه الأماكن وهذا الوسط الغريب». تذكّرت مهمتها والموضوع الذي كُلفت به. لا تعرف الأديب الفائز ولم تر له صورة من قبل. قد يكون من هؤلاء المستلقين فوق الآرائك والمقاعد في ارتخاء يخلقه الاعتياد وتباركه الثقة. «لا جدوى من التخمين»! صارحت نفسها المنهمكة في التحري، وقصدت أقرب الجالسين موقعاً. بعد أن وكَزت ترددها في صدره ليتنحى جانباً، سألت الجالس، بتحية مقتضبة، إن كان فلاناً قد أتى الليلة. هيّأت نفسها لرد كسول ونبرة ملولة. لم يجب الرجل على سؤالها مباشرةً. مهّد للإجابة بجملة أطاحت ببناء الحوار القصير الذي رتّبته في ذهنها: «منذ دخلتِ وأنا أعرف أنك ستأتين إليّ وتحادثينني»! لم تسعفها خبرتها الجنينية لتعرف إن كان يهزل أم يجدّ أم يتودد. فقط تعرف أن رده نثر هدوءاً وراحةً يمرحان الآن بطفولة على مقربة من قلبها الغائص في أعماقها. أنقذها من بلاهة الصمت وقال وهو يحرك مقعداً كبيراً لتجلس عليه «لم يأت بعد. هو عريس الأدباء هذه الليلة كما تعلمين. قد يتأخر قليلاً». لم تجد رغبة في رفض دعوته. من هذا الشخص؟ ولماذا يبدو ودوداً طيباً هكذا؟ أهي طبيعة الناس هنا أم أنه مختلف عنهم؟ أم أنه يراها هي المختلفة؟» دخلت الأسئلة في سباق مع نبضها المتسارع. من دون أن تنتبه وفي غفلة من ترددها، مرّرت بصرَها على صورتها المنعكسة في مرآة خيالها، رأت هيئة محايدة الملامح، يراها البعض جميلةً ويراها البعض الآخر عاديةً أما البعض الثالث فلا يراها على الإطلاق من تحت سرابيل الخجل والانزواء الاختياري. محت بأهدابها صورتها المرسومة على صفحة الخيال وركّزت مع صوت الجالس يسألها في ما تريد الأديب وأين تعمل ولما لم تأت إلى هذا المكان من قبل.

أجابته بانفعال مكبوت وقد انتبهت أخيراً إلى هيئته؛ يبدو أصغر كثيراً من سنوات منتصف العمر التي ظنّته عليها. ملامحه أيضاً تشي بطيبة مخبوءة وشعور بالوحدة. أيكون- مثلها- غريباً عن العاصمة يكابد وحشة الاغتراب وعدم الملاءمة؟ مرّت قرابة الساعة وعيناها مربوطتان بوقع عينيه، كلما اتجهتا صوب الباب عدت خلفهما تحسب القادم الأديب المنتظر. لم يحضر الرجل، وانشغلا بحديث طويل جرّه منها جراً وئيداً بابتسامة مطمئنة. ولكن حين أدركت أن الوقت أفلتَ وأنه لا مفر من الانصراف قامت فجأة تتمتم بكلمات غير مرتبة. لم يفلح على رغم الإلحاح أن يستخرج منها وعداً محدداً بموعد الزيارة التالية. بعد بضعة أيام عادت إلى المكان. كانت قد خاضت معركة أنهتها بانتصار حاسم على ترددها بعد أن ذكّرته بحتمية إنجاز المقابلة الصحافية مع الأديب الفائز. لم يصحبها التردد وإن ظلّ يتبعها مِن بُعد متحفزاً للتدخل إذا لزم الأمر. في القاعة الفسيحة سبقتها نظراتها تستطلع البقعة نفسها والمقعد ذاته وهي تحاول أن تتذكر اسم الأديب الذي جاءت تسأل عنه. «لا تقولي أنك جئتِ من أجلي. فلن أصدقك»! استقبلتها رنّة عتابٍ في صوته الودود.