تجديد الحرب الباردة

محمد سيد رصاص |

في 5 شباط (فبراير) الماضي صرح السفير الروسي في طهران أن «إيران شريك استراتيجي لروسيا على المدى البعيد». في لقاء سوتشي يوم 23 آب (أغسطس) 2017 أكد الرئيس الروسي ذلك لرئيس الوزراء الإسرائيلي. كانت موسكو في 22 أيلول (سبتمبر) 2010 قد ألغت صفقة صواريخ «أس-300» مع طهران على رغم تسديد الإيرانيين ثمنها مسبقاً. في آذار (مارس) 2012 وقعت شركة (غازبروم) الروسية عقداً باحتكار بيع الغاز الإسرائيلي بالأسواق الآسيوية، وفي شباط 2013 احتكرت الشركة نفسها لعشرين عاماً شراء 4.2 بليون متر مكعب من غاز حقل تمار مقابل ساحل حيفا لعشرين عاماً من مجموع إنتاجه البالغ 23 بليون متر مكعب. كان التقرب الإسرائيلي من روسيا مرفقاً بابتعاد موسكو عن طهران. ويبدو أن استراتيجية باراك أوباما مع بوتين لما شكل البيت الأبيض الغطاء للدخول العسكري الروسي إلى سورية في 30 أيلول 2015 كانت إبعاد الكرملين عن الصين وإيران.

توحي تصريحات السفير الروسي في طهران بفشل استراتيجية واشنطن وتل أبيب في إحداث التباعد الروسي- الإيراني. يمكن تفسير ذلك بخطاب وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون قبل ثلاثة أسابيع عندما أعلن «نية البقاء العسكري الأميركي في سورية لمواجهة نفوذ إيران» ورغبة الإدارة الأميركية في عدم تكرار تجربة الانسحاب العسكري الأميركي من العراق أواخر عام 2011. وكان من دلالات خطاب تيلرسون الإعلان عن انهيار التوافق الأميركي- الروسي حول الملف السوري البادئ في اتفاق 7 أيار (مايو) 2013، والذي كان من علاماته التشدد العسكري الأميركي في مواجهة الهجوم على منطقة خشام شرق دير الزور يوم 7 شباط والتي قتل بها عسكريون روس غير نظاميين حيث يوجد حقول نفط.

هنا، من الممكن تلمس صدى نفوذ جنرالين أميركيين يملكان نفوذاً كبيراً في إدارة ترامب، هما وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي هربرت ماكماستر، كانا ضمن العسكريين الأميركيين في العراق. الانطباع العام عند «عسكريي العراق» هو أن الولايات المتحدة بانسحابها العسكري من هناك فتحت الباب لنمو النفوذ الإيراني وتمدده في المنطقة عبر البوابة العراقية ولظهور «داعش» عام 2013 بعدما كان تنظيم «القاعدة» في حالة تلاشٍ في فترة 2008-2011. في مرحلة ما بعد «داعش» يدفع الجنرالان نحو استراتيجية تجابهية مع إيران في عموم المنطقة كانت ملامحها واضحة في خطاب 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 لما أعلن الرئيس ترامب عدم مصادقته الدورية على الاتفاق النووي مع طهران. وطوّر الرئيس الأميركي ذلك في خطاب 18 كانون الأول عندما وضع ثلاثة تهديدات للأمن القومي الأميركي: طموحات روسيا والصين- إيران وكوريا الشمالية- الإرهاب، حيث للمرة الأولى منذ زيارة هنري كيسنجر السرية للصين عام 1971 لا تتجه واشنطن نحو سياسة تفريقية بين الصينيين والروس بالتزامن مع تخلٍ عن استراتيجية للتفريق بين موسكو وطهران كانت محطتاها في 14 تموز (يوليو) 2015 (الاتفاق النووي مع طهران) والغطاء الأميركي للدخول العسكري الروسي لسورية بعد شهرين ونصف الشهر.

في هذا الصدد كان عسكريو البنتاغون (وزارة الدفاع) في أيلول 2016 قد اغتالوا اتفاق كيري- لافروف للتنسيق العسكري- الأمني في سورية عبر «الغارة الأميركية الخطأ» في دير الزور، والتي يقال إن مواطنين من روسيا كانوا ضمن ضحاياها. في عهد ترامب انتقلت إدارة الملف السوري من وزارة الخارجية الأميركية إلى البنتاغون. ليس العسكريون الأميركيون في حالة انسجامية مع ترامب الذي أوحت حملته الانتخابية بنبرات تصالحية مع موسكو، ويبدو أن وضع ظهره عند الحائط عبر التحقيقات حول التدخل الروسي في الانتخابات قد جعلت ترامب مستسلماً لاتجاه التشدد مع موسكو الذي هو موروث عند البنتاغون من أيام الحرب الباردة. ترامب تلاقى مع البنتاغون في الموضوع الإيراني ومعارضته لاتفاق فيينا صبت الماء في طاحونة الجنرالات الذين يملكون نزعة ثأرية من إيران بحكم تجربتهم العراقية. كان تخلي ترامب عن عدائه للسعودية الذي ظهر بحملته الانتخابية مترادفاً مع النزعة السائدة في البنتاغون للتجابه مع طهران.

توحي هذه التطورات الأميركية بأن واشنطن قد تخلت عن اتجاه أوباما الانكفائي- الانسحابي من الشرق الأوسط باتجاه الانزياح شرقاً للتركيز على مجابهة العملاق الصيني المتنامي. يدل خطاب تيلرسون وحادثة خشام على اتجاه انخراطي أميركي كبير في الشرق الأوسط. كانت ورقة باريس حول المسألة السورية بيوم 23 كانون الثاني (يناير) قد أعطت برنامجاً لهذا الانخراط في البؤرة الشرق أوسطية الأكثر اشتعالاً وهي سورية في مواجهة (ورقة سوتشي) الروسية وأعلنت تشكيل حلف خماسي: الولايات المتحدة- بريطانيا- فرنسا- السعودية- الأردن في مواجهة ثلاثي سوتشي: موسكو- طهران- أنقرة. لا يبدو أن محاولة تجريب الأميركان في (خشام) ببعيدة عن عملية الغطاء الروسي- الإيراني للعملية التركية في عفرين التي انطلقت ضد الحليف الرئيس للأميركان في سورية: pyd حزب الاتحاد الديموقراطي وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله أوجلان، الذي تجابه طهران شقيقه عسكرياً، أي الفرع الإيراني لحزب أوجلان: pjak حزب الحياة الحرة لكردستان إيران، ويشعر الروس بطعم مر من وضع الأكراد السوريين لبيضهم كله في السلة الأميركية. لن يكون فلاديمير بوتين حزيناً عندما يصب الزيت على نار الخلاف الأميركي- التركي وربما يدفعهما عبر عفرين نحو التجابه العسكري في منبج ليتصادم عسكرياً الجيشان الأكبران في حلف الأطلسي.

كل ما سبق يرجح عودة أجواء الحرب الباردة التي حصلت بين واشنطن وموسكو بين عامي 1947 و1989 وانتهت بهزيمة الكرملين أمام البيت الأبيض. البؤرة الكبرى للتجابه بينهما هي سورية، وإلى حد «أقل اشتعالاً» أوكرانيا. ليست هنا حرب باردة بين قطبين للعالم بل بين القطب الواحد للعالم وبين دولة كبرى هي روسيا سيطرت على معظم جوارها السوفياتي السابق في فترة 2008-2014 وتطمح للدور العالمي عبر سورية مع حليف إقليمي قوي هو إيران ودولة متململة من الغرب هي تركيا، مع مساندة من الصين البعيدة وإلى حد «ما» باكستان التي تعاني من التفضيل الأميركي للهند في عالم ما بعد عام 1989.

 

 

* كاتب سوري.