«فايسبوك» دولة افتراضية سكانها بليونان في مجتمعات مغلقة

حسن يحيى |

لا شك أن «فايسبوك» اصبح أكبر منصة تواصل اجتماعية في العالم، خصوصاً مع تجاوز عدد مستخدميه عتبة بليوني مستخدم حول العالم، يتشاركون يومياً ملايين المنشورات تضم مختلف الثقافات والآراء المختلفة.

ومع تضخم المنصة إلى هذا الحد وهيمنتها على غالبية المنصات الأخرى، بات من المفروغ منه أن دورها لم يعد يقتصر على أداء مهمة التواصل والربط بين المستخدمين وهو الهدف الذي تأسست بسببه اصلاً.

وأصبح الموقع الأزرق إلى حد بعيد أشبه بدولة «افتراضية» ديموقراطية يعيش داخلها سكان افتراضيون يمارسون حياتهم اليومية، ويخضعون للقوانين التي تسنها إدارة هذه المنصة. تماماً كما هو الحال مع أي دولة طبيعية موجودة على الخارطة.

وتُعرف الدولة اصطلاحاً، بأنها مجموعة من المؤسسات العامة في نطاق جغرافي محدد تمارس سلطاتها على الأشخاص الذين يعيشون داخلها.

وللدولة مجموعة من الخصائص والمقومات، من أهمها وجود شعب يعيش في هذه الدولة ويمارس حياته بصورة يومية على أراضيها، إضافة إلى وجود الحيز الجغرافي الذي تمارس فيه الدولة صلاحياتها، وقوانين تنظم حياة العامة وتدبر شؤونهم، والسلطة وأدوات تنفيذ هذه القوانين على أرض الواقع.

أما خصائص الدولة، فتتمثل في ممارسة السيادة لتكون هي صاحبة اليد المطلقة ولا سلطة تعلو فوق سلطتها، إضافة إلى الطابع العام لمؤسساتها وأجهزتها.

ولعل «فايسبوك» مثال حي على هوية الدول الافتراضية وكيفية نشوئها. إذ زاد عدد مستخدمي هذه المنصة عن بليوني مستخدم وهو ما يُمثل «الشعب» الخاص بهذه الدولة الذي يمارس حياته بصورة يومية على منصتها. أما الحيز الجغرافي، فيمكن تحديده بصورة عامة بالإنترنت، وبصورة خاصة بالمنصة التي أمنتها «فايسبوك» حيث تدور كل الأحداث اليومية الخاصة بالشعب.

ولا يقف الشبه بين «فايسبوك» والدولة عند هذا الحد، إذ وضعت المنصة الزرقاء مجموعة من القوانين والأنظمة التي تحدد طبيعة «الحياة» داخلها، ووضعت قوانين تحاسب وتعاقب من يخالف هذه الأنظمة، ما يعني حكماً وجود مؤسسات أو أجهزة لتنفيذ هذه القوانين.

ويبدأ المستخدم رحلته إلى ربوع هذه الدولة بالتوقيع على اتفاق ملزم، ينص على أنه وافق على القوانين الموجودة في هذه المنصة. وفي حال عدم موافقته، فإن «دولة فايسبوك» تطرده خارجها ريثما يغيّر آراءه، أو تغير الشركة القوانين موضوع الخلاف.

وعند موافقته، يُطلب من المستخدم أن يحصل على «هويته» الخاصة بهذه الدولة من خلال تسجيل نفسه في دوائر نفوس الشركة وإدخال معلوماته الشخصية، تماماً كما لو أنه مولود جديد في دولة طبيعية، ليصبح بعد هذه المرحلة مواطناً كاملاً في هذه الدولة يمارس ما طاب له وشاء تحت سقف القوانين مرعية الإجراء.

وتمارس الدولة الافتراضية سلطتها في شكل كامل، إذ تلجأ إلى معاقبة المخالفين كلّ وفقاً لجريمته، ويمكن أن يتراوح العقاب بين إلغاء المنشور وصولاً إلى الحظر النهائي عن المنصة، وفقاً لفداحة الجرم المرتكب.

وتعمل الخوارزميات بصفة أجهزة إنفاذ القانون، إذ تقوم بتصنيف المنشورات وفقاً لمواءمتها والقوانين الموجودة، ليصار إلى تطبيق القانون المعترف به على المنشورات المخالفة. ولا تقتصر أجهزة إنفاذ القانون على الخوارزميات، بل يعمد «المواطنون الصالحون» إلى الإبلاغ عن المنشورات المخالفة، أو التي يعتقدونها مخالفة للسلطة الرئيسة، لتقوم باتخاذ ما يلزم في شأنها في حال كانت مخالفة، أو السماح بها في حال لم تكن مخالفة، في مشهد يذكّر إلى حد كبير بالنظام القضائي في الدولة.

والأهم مما سبق، أن القوانين في مؤسسة «فايسبوك»، لا تميز بين شخص وآخر، إذ يتساوى جميع المستخدمين أمام القانون بغض النظر عن الانتماءات العائلية أو العشائرية أو الوضع المالي، ما يعني أن أي مستخدم عادي يتساوى مع الحساب الشخصي لمؤسس هذه الدولة مارك زوكربيرغ أو حتى مع رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب. فإذا نشر أحدهما منشورات تحتوي على تعرٍ أو إباحية، يتم حظره أو مسح المنشور مثله مثل أي مستخدم قام بالعمل ذاته.

هذا في ما خص القوانين الطبيعية الموضوعة والتي هي بمثابة «دستور» هذه الدولة. إلا أن هناك قوانين أخرى يتم إضافتها وتعديلها في شكل مستمر تستمد روحيتها بطريقة مستمرة من الاستفتاءات والإحصاءات التي تقوم بها الشركة باستمرار على حسابات المواطنين. إذ غالباً ما يتم تعديل الخوارزميات لتتلاءم مع تطور الشعب والمجتمعات التي يشكلونها. فعلى سبيل المثال، وضعت الخوارزمية الأخيرة على عاتقها التي تهدف إلى تحسين الأخبار المنشورة على المنصة وجعلها أكثر صدقية، إلى محاربة «جريمة» الأخبار الكاذبة التي أضرّت بالمجتمعات الموجودة في الدولة، وأثرت في علاقة الدولة الافتراضية بالدول الطبيعية خارج المنصة. والأمثلة كثيرة عما سبق.

ولا يمكن إغفال العامل الاقتصادي لهذه الدولة، إذ استطاعت «دولة فايسبوك» الحصول على موارد مالية ومؤسسات اقتصادية فاعلة، قادرة على تأمين الاستمرارية والتطوير اللازم لبقاء هذه الدولة وتحسينها.

والحال، أن المنصة أمنت الركائز الأساسية لقيام دولة ديموقراطية تحترم آراء شعبها وتساوي بينهم من دون تفرقة، ولا تتهاون في تطبيق القانون العام.

 

عصبية المجتمعات داخل الدولة الافتراضية

إلا أن الملاحظ أن الشعب الذي يعيش يومياً على هذه المنصة، بدأ هو الآخر بتأسيس مجتمعات مغلقة على ذاته ضمن هذه الدولة وتحت قوانينها.

واللافت أن هذه المجتمعات الجديدة تحولت إلى العصبية بصورة واضحة، لتطرد إلى خارجها كل من يخالف آراءها وتوجهاتها، على رغم الاتفاق العام القاضي باحترام القانون الأساسي.

وتبدأ رحلة العصبية من خلال التركيبة الاجتماعية التي يقوم المستخدم بتأسيسها، ففي المرحلة الأولى تلعب الأمور العامة المشتركة الدور الرئيس في تركيب شبكة المعارف، إذ قد يرسل المستخدم طلبات الصداقة إلى أشخاص يتشارك معهم في حب نوع معين من الموسيقى أو قضية سياسية معينة.

ومع ارتفاع عدد شبكة العلاقات وتشعبها، يصبح المستخدم أكثر تشبثاً بالقضايا الكبرى، وسرعان ما تبدأ العوامل المشتركة بالاندثار أمام القضايا الكبرى، وصولاً إلى تشكيل المجتمع المغلق الذي يعيش فيه المستخدم مع كل من يشاركه الرأي حصراً، ويطرد كلّ من خالف هذا الرأي خارج شبكته الاجتماعية. إذ غالباً ما يقوم المستخدم الجديد بإضافة كل من يعرفه حتى ولو كانت هذه المعرفة سطحية، ليصار بعدها إلى «غربلة» هذه المعارف وفقاً لتوجهات وتطلعات المستخدم والسلطة التي يخضع لها افتراضياً، ومسح كل من يخالف هذه التوجهات خارج قائمة الصداقة.

ويُمكن ملاحظة هذه المجتمعات المغلقة من خلال التعليقات التي تظهر على صفحات مواقع التواصل خصوصاً في المسائل الخلافية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية. وغالباً ما ترتبط هذه التعليقات بسلطة معينة يطلقها حساب ما أو قضية معينة.

وترتبط هذه المجتمعات بظاهرة السلطة التي يمنحها «فايسبوك» للمستخدم، إذ في هذه الدولة يتم قياس السلطة بحجم التفاعل الذي يحصل عليه المستخدم، ليصبح بطبيعة الحال مستخدماً أعلى مرتبة من المستخدم العادي.

فعلى رغم أن كل الحسابات متساوية أمام القانون العام، إلا أن حساب عارضة الأزياء اللبنانية ميريام كلينك أو حساب كيم كارداشيان مثلاً لا تتساوى بالحسابات العادية، إذ استطاعت هذه الحسابات الوصول إلى نوع من السلطة تمارسه على هذه المنصة وتستطيع من خلاله توجيه الجماهير المتابعة والمصفقة لتشكيل المجتمعات المغلقة الخاصة بهذه السلطة.

ويعد كل منشور صادر عن هذه الحسابات بمثابة خطاب، خصوصاً أن المستخدم المتابع لهذه الحسابات يصبح متفرجاً لا خيار لديه إلا التصفيق أو المهاجمة، ما يعني التحول شيئاً فشيئاً إلى أُحادية الرأي والذهاب نحو انهيار منظومة تشكيل الرأي العام والرأي الآخر.

واللافت أن هذه المجتمعات الصغيرة تصبح ملتزمة إلى حد كبير السلطة التي يطلقها صاحب الحساب، وتعمل على مناصرته في كل مناسبة كانت ومهاجمة كل من تسول له نفسه الخروج على هذه المناصرة. ففي حال قامت عارضة الأزياء ميريام كلينك بنشر أي منشور على شبكة التواصل، تنهال التعليقات التي تؤيد وتناصر هذه العارضة، كما تظهر بعض هذه التعليقات التي تهاجم هذا المنشور بطبيعة الحال.

ولكن اللافت في الأمر، أن الانتقادات التي توجه إلى كلينك يتم التصدي لها بحدية غير معهودة من قبل الأشخاص المؤيدين، وتبدأ الحملات الهجومية على الأشخاص الذين علقوا سلباً على المنشور بغض النظر عن طبيعة هذا المنشور الثقافية أو الاجتماعية وما احتواه.

وتستطيع صاحبة الحساب في هذا المثال، ممارسة سلطتها المطلقة المتمثلة في حظر الحساب المخالف من التعليق على صفحتها، بالتالي حرمانه من الوصول إلى هذا المجتمع، مدعومة بالسلطة التي أعطيت لها من قبل مجتمعها المغلق.

والأمر مماثل في النقاشات السياسية، فأي منشور يحمل بعض الانتقادات لفريق سياسي معين، قد يجابه بالتصرفات ذاتها، حتى ولو لم يكن صادراً عن هذه الجهة السياسية. فيكفي أن يقوم أي مستخدم عادي بنشر تصريح لسياسي ما يؤيده، لتبدأ حرب التعليقات التي تتفاوت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض. وسرعان ما تبدأ التعليقات المؤيدة بالهجوم على التعليقات المخالفة، محاولة إلغاءها وإثبات خطئها، لتصل في نهاية الأمر إلى حظرها وممارسة إلغاء دورها في إبداء رأيها من خلال الحظر الذي غالباً ما يلجأ إليه صاحب الحساب بحق الأشخاص المخالفين.

والحال أن هذه المجتمعات التي تتكون، تصبح إلى حد كبير شبيهة بمفهوم الأمة، إذ تجتمع الحسابات المنفردة تحت قضية معينة من مختلف مناطق العالم وتتعاضد معاً للترويج للنظرية المتفق عليها، والدفاع عنها أمام أي هجوم محتمل من الأمم الأخرى، لتصبح مشابهة إلى حد بعيد بمجموعات الضغط التي كلما زادت قوتها مارست سلطة أقوى بحق المخالفين لآرائها.

وقد يصل الحال إلى قيام مجموعات الضغط بشن حملات إلكترونية بحق أشخاص ومجتمعات أضعف في ما يشبه الحروب الإلكترونية وحملات الغزو.

واللافت أن دولة «فايسبوك» تساعد أيضاً وتشجع على ممارسة المجتمعات المغلقة وتكوينها، إذ تقوم خوارزمياتها بتصفية الآراء والمنشورات وفقاً لتفاعل المستخدم معها، وتُظهر المنشورات والحسابات التي تفاعل معها المستخدم بصورة أكبر من المنشورات التي لم يتفاعل معها، ما يؤدي لاحقاً إلى زوال الرأي الآخر نهائياً عن الصفحات الشخصية، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى نشوء التكتلات.

ومع وجود التكتلات، يصبح هناك نوع من السلطة قابل للممارسة على الأشخاص المخالفين، إذ يستطيع التكتل احتكار سلطة السماح بإبداء الرأي، ومنعها عن الأشخاص المخالفين من خلال شن حملات منسقة عليهم وصولاً إلى طردهم خارج الصفحات والمناقشات، وأخيراً حظرهم من الوصول إلى كل آراء المجموعة.

كل ما سبق دليل على «عصبية» المجتمعات الموجودة داخل «دولة فايسبوك» والتي أصبحت إلى حد كبير طوائف مغلقة تجتمع تحت قضايا مركزية عامة يؤيدها أعضاء هذه المجتمعات، ويمارسون سلطتهم القمعية بحق كل المخالفين، ويعمدون إلى مهاجمتهم وإقصائهم وصولاً إلى إلغائهم و «قتلهم» افتراضياً.