لينا خوري تمسرح أسرار «الذات» الذكورية

عبده وازن |

لا تعلن المخرجة لينا خوري عندما تطلّ في مطلع مسرحية «حكي رجال» (مسرح المدينة- الحمراء) البحث عن ممثلين للمسرحية التي تعدها لتقدمها لاحقاً، بل عن رجال، رجال قادرين على أن يحكوا ويبوحوا ويكشفوا أسرارهم. أمضت سنوات خمساً في البحث عن هؤلاء «الرجال» كما تعترف المخرجة التي تؤدي هنا دور معدة العرض ومخرجته، في لعبة مزدوجة تقتضيها تقنية المسرح داخل المسرح. منذ اللحظات الأولى هذه تكشف المسرحية هويتها: السينوغرافيا عبارة عن مسرح مهيأ لإجراء «الكاستينغ» لاختيار الرجال الذين هم ممثلون في الوقت نفسه. لكنّ الكاميرا التي تحتل زاوية إلى يمين المسرح ستظل أشبه بالشاهد الصامت على ما سيدور من مواجهات واعترافات، وفي الختام سيمر أمامها الرجال– الممثلون ليلقوا تحية الوداع بعدما فشلوا في لمّ شملهم وإنجاز مشروع المخرجة. وهنا تكمن فرادة المسرحية وقوتها، أي في كونها تحققت وأنجزت عبر قدرتها على الإيهام الواقعي، إيهام الجمهور أن ما حدث كان مسرحية داخل مسرحية، وأن العرض لم يكتمل إلا بصفته عرضاً داخل عرض.

يحضر أربعة رجال ثم يأتي خامسهم، وتضعهم المخرجة- والممثلة- لينا خوري وجهاً لوجه، وأمام الكاميرا الصامتة، تستدرجهم إلى الكلام، تحرضهم عليه، تثيرهم وتفتح ما يسمى «جرح الذات الذكورية» الكامن فيهم وقد شاءته قريناً لـ «جرح الذات الأنثوية» ولكن ليس للمساواة بين الذاتين بل للمقارنة بينهما بعيداً عن أي خطاب إيديولوجي جاهز. ولعلها نجحت في هذه المغامرة «الخطرة» في مرحلة راهنة تشهد صعوداً جديداً للفكر النسوي لا سيما في الغرب انطلاقاً من حال التحرش المستشري مع عودة واضحة إلى أفكار رائدات التيار النسوي.

بدت لينا خوري ذكية تماماً وحذقة في طرحها مسألة الذكورية الآن، من منطلق غير نسوي، وليس في هدف إدانتها وفضح مساوئها وأمراضها النرجسية، وإنما لإبراز معاناة الرجال كبشر وأناس وأزواج وآباء وذوات مجروحة أيضاً. لم تُسقط خوري الشعارات الذكورية الرائجة التي تؤكد سيطرة الرجل على المرأة، وهي سيطرة مبررة دينياً واجتماعياً وفيزيقياً، بل دفعت الرجال إلى تردادها وإلى فضحها أو تعريتها بأنفسهم. إنها اللعبة المتوازنة التي لعبتها بدقة كي لا تبدو منحازة إلى جهة دون أخرى، بل إن انحيازها هو للإنسان، الإنسان الضحية، سواء كان رجلاً أم امرأة. هكذا مثلاً يتعرض الرجل المقتدي بـ «سوبرمان» (طارق تميم) للإذلال والصفع على يد أحد مرافقي زعيم لبناني على الطريق العام لأنه رفض أن يخالف إشارة الضوء الأحمر ويتخطاها بسيارته. هذه الصفعة تنعكس سلباً على حياته لأنها حصلت على مرأى من ابنته التي كانت معه في السيارة. صُفع «سوبرمان» وأذلّ وأهين أمام ابنته التي كانت ترى فيه مثال الأب الحقيقي، وشعرت أنها هي التي أهينت.

الرجال ضحايا أيضاً مثلما النساء ضحايا، قد تكون المرأة ضحية الرجل وقد يكون الرجل ضحية المرأة كما يكونان كلاهما في وقت واحد ضحايا الآخرين، المجتمع، العائلة، السلطة على اختلافها... ووراء عنجهيات الرجال وكبريائهم أو «عنترياتهم» و «طرزانياتهم» واستعراضاتهم الذكورية والجنسية، غالباً ما تكمن حالات ضعف وعجز وقمع... ولئن سئل أحدهم: ما مشكلة الرجل؟ يجيب للفور: المرأة. ويقول آخر: الرجال الذكوريون ربتهم نساء هنّ أمهاتهم. ولكن لا تغيب العبارات الذكورية بتاتاً من الحياة اليومية للرجال أياً يكونوا، ومعظمها يدور حول الجنس والعضو الذكري والفحولة... ويبرز هنا معجم جنسي فاضح على لسان الرجال والمخرجة ويمكن التخفيف منه. وقد وفّقت المخرجة كثيراً في اعتماد شخصية افتراضية سمتها «عزيز» وهو «رجل» يطل بشاربيه على شاشة عريضة هي جزء من السينوغرافيا ومن خلال «أبليكيشين» يتبعها أحد الرجال. وهذا الشخص الافتراضي هو بمثابة مرجع معلوماتي في شؤون الرجولة والذكورة، يرد على الأسئلة بطريقة آلية مبرمجة، مرتكباً أخطاء كثيرة هي أشبه بنكات. وبالإضافة إلى توظيف المخرجة الذكي لهذه الشخصية وجعلها ذريعة للسخرية، أرادتها أيضاً رمزاً لسلطة الأجهزة المعلوماتية الجاهزة والمعلبة التي تغزو حياة الناس وتتحكم بثقافتهم وتضللهم. بدا «عزيز» واحداً من «رجال» المسرحية، ولو افتراضياً وشارك في اللعبة من وراء الشاشة.

لم تعمد لينا خوري إلى جعل «الرجال» الذين جمعتهم نماذج مقولبة أو مؤطرة بل ركزت على إنسانيتهم أو بشريتهم كشخصيات، ودفعت كلاً منهم إلى التعبير عن أزمته وتناقضاته وازدواجيته بين ذكورية ظاهرة أو شكلية وذكورية أخرى مقموعة أو مصابة أو مجروحة. وعطفاً على جعلهم يتشاركون في الأداء الجماعي والحوارات المتبادلة ذات التعابير النافرة في أحيان، أفسحت لكل منهم حيزاً مونودرامياً صغيراً لم يعرف الإطالة أو الانثيال، ما خلا بعض المونولوغات التي كان لا بد من ان تأخذ حجماً أكبر نظراً إلى الضرورة الدرامية أو البسيكو درامية. هكذا أطلّ مثلاً الرجل الذي أدى شخصية ناطور بنك متحدثاً عن معاناته كرب عائلة فقير يعاني مشكلات عدة، ومنها البرود الجنسي المتولد من القمع الذي يمارسه عليه عمله نفسه وفقره. ومقابله يطل رجل آخر هو مدير بنك(غبريال يمين) ثري مبدئياً، لكنه يعاني إهمال عائلته إياه ومعاملة زوجته له لا بصفته زوجاً وأباً وإنما كموظف يجب أن يأتيها بالمال لتبذخ وتبذّر. حتى في عيد ميلاده تنساه زوجته وأبناؤه ويتركونه وحيداً في البيت. إنها الذكورة المجروحة والعاجزة والمعزولة. رجل آخر تخونه زوجته طوال ثلاث سنوات، بريء إلى حد الغباء، يصفه أحد الرجال بأنه «بلا خصيتين» خالعاً عنه رجولته. ومثله الرجل الآخر (فؤاد يمين) الذي يقع ضحية امرأة تستغله فيقدم لها الخدمات مجاناً، وعندما يتعرض لحادثة سيارة تهمله ولا تزوره في المستشفى. وكم نجحت خوري في تقديم صورة مشذبة وعاطفية وعميقة لشخصية الرجل المثلي الذي هو ضحية نفسه وضحية المجتمع والسلطة الأخلاقية والقانون والإعلام وضحية النظرة الذكورية التي تجعله عرضة للسخرية والهزء. إنها حالات إنسانية يعانيها الرجال والنساء ايضاً، وهنا تتبدى التجربة المهمة التي تخوضها لينا خوري في المقابلة بين الحالة النسوية والحالة الذكورية، برويّة وعمق ومن غير انحياز مسبق إلى إحداهما. بل هي تجمع الرجل والمرأة في كونهما ذاتاً إنسانية تعيش أحوالاً من التخبط والاضطراب والاستلاب في مجتمع استهلاكي بطريركي، ذكوري- نسوي يمارس سلطته على الجميع.

لم يغب طابع العمل الجماعي عن مسرحية «حكي رجال»، النص أولاً كتبته لينا خوري مع فؤاد يمين ورامي الطويل وغبريال يمين، وبدا فعلاً نتاج كتابة جماعية أو مختبرية نظراً إلى تعدد الأصوات فيه والشخصيات والشهادات والمرويات وهي فعلاً ململمة من أفواه الرجال ومقطوفة من حياتهم وواقعهم. السينوغرافيا الجميلة التي بدت جزءاً أساسياً من العرض صمّمها حسن صادق. أما الممثلون الخمسة فكانوا بارعين في تجسيد أدوارهم الدرامية الواضحة الملامح حيناً والأدوار المتشظية من خلال الحوارات المتقطعة والمتقاطعة والمتواصلة في تقاطعها. غبريال يمين، فؤاد يمين، طارق تميم، طوني معلوف، جوزف زيتوني ولينا خوري أيضاً. وحسناً فعلت المخرجة في ارتكازها إلى عنصر التمثيل وإلى قدرات كبيرة مثل غبريال وطارق وفؤاد، فالمسرحية كانت مسرحيتهم أيضاً، في سخريتهم ومواقفهم الدرامية ونقلاتهم الباهرة بين شخصية وأخرى، بين السخرية والتراجيك، بين التداعي الدرامي والتعبير الحركي الهاذي والمنضبط في آن واحد.