«غزية» لنبيل عيوش: سينما ملء العين

الدار البيضاء – مبارك حسني |

مرة أخرى نطرح السؤال الذي لا بد منه كلما تعلق الأمر بالهدف الأساسي لكل فن: هل السينما تتبدى حقيقة في الحديث المُصور المُكبر عن القضايا الكبرى، مع التنويع والتعدد اللازمين في اختيار الشخوص ذوي الملامح غير المعهودة ؟ ممكن في حالة واحدة : عندما تحكي هذه السينما قصة مؤثرة وبلغة لها صورها المبدعة، ولها بساطتها التي تجعل الرائي ينخرط بشكل لا واع تقريباً. فالسينما الحقيقية هي تلك التي تصل إلى القدرة على منح الشفافية المؤثرة، في نظرنا المتواضع.

 

قدرة على بلوغ المراد؟

هنا في «غزية»، فيلم نبيل عيوش الجديد، تطالعنا سينما تتصل بتيار نميل إلى أن نسميه «سينما ملء العين» من دون أن نعني بالضرورة أنها سينما تشكل متعة للعين، رغم احترافيتها وتمكنها من أدواتها التعبيرية. في «غزية» توجد كثرة من الشخصيات وكثرة من الحكايا الصغيرة، والكل مجبول بطرح واضح هو مقاربة الاختلاف، لكن من وجهة نظر واحدة فقط، وجهة مخرج ديدنه أن يصنع أفلاماً تخلق الحدث اجتماعياً، مع الرغبة في خلقه فنياً، وهو ما يتأتى نسبياً بما أن الشكل بل الصيغة العامة للشريط تظل مطروقة ومهنية متقنة. وهذا الاختلاف ارتأى المخرج نبيل عيوش أن يوزعه على منحى كورالي يجمع في لمته خمس شخصيات رئيسية، مع حرصه على أن يرصد قصة كل واحدة منها على أساس أنها تمثل ما هو مختلف. طبعاً الفيلم سيجعلها تتلاقى وتنتظم في بوتقة جامعة بقدر ما هو متوافر في المنطق السيناريستي الواجب في السينما من دون أن يحصل فعلاً في جميع المستويات.

ونبدأ بشخصية سليمة، التي تمثل نموذج المرأة التواقة إلى الحرية والإمساك بمصيرها الذاتي كامرأة منطلقة، وذلك على الضد من يوميات رفقة تعيسة بجوار رجل يبدي التحرر والعصرنة، لكنه في الواقع أكبر من محافظ تجاه المرأة، كالكثير من أمثاله في مجتمع ذكوري. ثم عبدالله المدرس في صقع بدوي بعيد، والذي رصده المخرج في زمن ثمانيني من القرن الماضي، حيث عرفت البلاد إصلاحات هيكلية كبرى ومنها ما تعلق بمجال التعليم. لن يرضى المدرس بالوضع، ويظهر ذلك من خلال علاقته في مشهد مع مراقب تربوي. والشخصية الثالثة هي إيناس الفتاة المراهقة المنتمية إلى طبقة ميسورة، والتي لا تجد مجالاً موافقاً رغباتها العاطفية وتحققها الذاتي على مستوى الجنس، وذلك بسبب محيط محافظ يعارض توجهاتها. والشاب حكيم الذي يعشق التشبه بالمغني فريدي ميركوري المخنث، الشيء الذي يجلب له سخرية وتحرش أبناء الحي. وأخيرا يوسف اليهودي الذي يدير مطعماً والذي يحاول أن يدير دفة حياته ووالده ضدّاً على الجو العام. ويقدَّم هذا الزخم الكمي من الشخصيات في زمنين مختلفين أو لنقل حاول أن يقَدَّمَ خلال فترة أولى في الثمانينات وفي الفترة الحالية. لخلق وحدة مصائر تتصل بأسباب سابقة. اجتماعية أساساً، فهناك في الخلفية مسألة محورية هي الاضطرابات الاجتماعية التي يراها الفيلم كمآل لوضع عام حاد.

من خلال الاختيارات يتضح جلياً أن المخرج ود أن يمسح بشكل واسع كل مصائد الاختلاف في المجتمع المغربي المتعلقة بالهوية: الدينية، الجنسية، والمتعلقة بالاعتقادات العامة والسلوكيات الإقصائية. وذلك عبر تتبع مسار كل شخصية على حدة مع خلق نوازع الصراع مع الآخر. مثلا سليمة وهي تتمشى في الشارع العام الممتد بالذكور بلباس «غير محتشم» في العرف العام. لقاء المومس واليهودي وما ترتب عن علاقتهما العابرة حين تعرفت على ديانته. هي حالات تفارق تظهر في المشاهد السينمائية خالقة الاستفزاز المزدوج: لدى الآخر الموجود في الصورة كممثل أو كعنصر من الكومبارس، ولدى المشاهد في القاعة الذي لا بد ستثيره المفارقة، وقد ينخرط هو أيضاً في الشجب أو الموافقة حسب موقعه من الفن السابع كفن أو كتسلية. والحق أن ما يأتيه المخرج هنا عبر اللقطات المتخيرة ليس جديداً في سينماه. فقد قام بالشيء ذاته في ما سبق من أعمال له معروفة.

 

قوة النساء

لكن الذي يظهر جلياً أن الشريط اعتمد على المعطى الأخلاقي والاتجاه القيمي في نسج حواريته كما صوره مع اعتماد العلاقات مع المرأة في العمق. الفيلم فيه شخصيات نسوية حاضرة بقوة في وضعيات وحالات مختلفة، بغض النظر عن الانتماء الطبقي، لا فرق بين الثرية والفقيرة، وبغض النظر عن الوضع الأسري. وما يطالع في الغالب هو تبيان تعاسة العيش بدون حرية فردية وبدون احترام الاختلاف.

وهكذا بين النزوع للتعبير عن القضايا الكبرى التي تموج في المجتمع المغربي، والنزوع إلى التعبير عن قضايا الفرد المكبل بالاعتقادات الشعبية والاختيارات المتحكمة في سير مصيره الحياتي اليومي، يقول الفيلم الكثير فلا يجد توازناً محموداً ولا يتمكن من تقديم الصورة بشكل كامل. وهذا راجع إلى طغيان التضخيم الموضوعاتي وتنويعه أكثر مما ينبغي، ما يجعل الخيط الناظم المفترض يتعرج كثيراً. وبالتالي فالسينما هنا لا تصل إلى مداها المرجو بالنسبة إلى علاقتها بصدقية الفن. رغم جمال الموسيقى، ورغم الواقعية اللطيفة التي صُور بها الفيلم واستثماره الناجح في ممثلين أكفاء وإدارة جيدة. غير هذا المنحى «الباتشوركي»، فشريط «غزية» عمل تجب مشاهدته كوثيقة فيها الإنساني موزع على تناغمات ما بين صورة جاذبة في حد ذاتها ومحتواها الذي روعي فيه الإنصات إلى تفاصيل محبذة. عمل يؤكد لنا من جديد أن نبيل عيوش مخرج يرصد لكل فيلم كل الإمكانات اللازمة لبعث السينمائي. وهو ما يحقق حدا أدنى تمنينا لو تم تشذيبه وتطبيعه مع البساطة الخلاقة.