هل ينهار برج بابل الإنترنت ... على أيدي بوتين والصين؟

كتب أحمد مغربي |
(ويكيبيديا)

هل تصبح شبكة الإنترنت مظهراً آخر لتفكك العالم المعاصر وانهياره، بعد أن كانت أحد أبرز مساحات تقاربه أفراداً وشعوباً ومجتمعاتٍ، بل النهوض بعولمته ورسم صورة «القرية الكونية الصغيرة» فيه؟

في السياسة، لم يعد يجمع العالم إلا القليل مما صنعه مشروع الحداثة الضخم، والتفكك يكاد يكون كلمة السر السارية مع صعود الشعبويات المعاصرة، وتوتر العصبيات الإثنية والانفصالية المتنوّعة في أوروبا، والتفكك في الشرق الأوسط وغيره. صار السؤال عن مجرد وجود نظام عالمي (بغض النظر عن مواصفاته)، هاجساً في السياسات الكبرى عبّرت عنه مرجعيات سياسية وازنة دولياً. وليس قليلاً أن من عبّر عن الانشغال بالانهيار هو شخصية محورية فاعلة كهنري كيسنجر في كتابه «نظام عالمي» (2014) وريتشارد هاس، رئيس «مجلس العلاقات الخارجية»، في كتاب «عالم في حال تبعثر» (2017).

وفي السياسة، هناك من يربط الانهيار المعاصر بانهيار العولمة التي قادتها أميركا، وصعود قوى كالصين وروسيا. وتحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتين، تبدو روسيا ساعية إلى إحداث انهيار في العوالم الافتراضية، لا يقل زلزلة عما يحدث في النظام العالمي فعلياً. وبعد رعاية القطب الروسي مسارَ الانفصال عن نظم تشغيل الكومبيوتر العالمية، عبر دعم نظام التشغيل «آسترا لينوكس» السيادي الروسي (أنظر «الحياة» في 14 كانون ثاني 2018)، حدثت خطوة أخرى في مسار التفكك في العوالم الافتراضية. وعلى لسان غيرمان كلمينكو، مستشار بوتين لشؤون الإنترنت، جاء الحديث صريحاً عن اكتمال استعداد روسيا للانفصال عن الإنترنت، بمعنى أن القرار السياسي هو ما ينقص كي تخرج روسيا من «برج بابل» الإنترنت، فتمهد لانهياره وتفككه. وذكر كلمينكو أن بوتين عدَّل قانون الاتصال، متيحاً للدولة الإشراف المباشر على الحركة الإلكترونية على كوابل الإنترنت، وصولاً إلى وضع يصير 95 في المئة منها يمر عبر شبكات سيادية روسية عند حلول عام 2024. ولفت كلمينكو إلى عدم تفرّد روسيا بذلك المسار، مشيراً إلى وضع مماثل في كوبا وكوريا الشمالية.

 

الصين و»أوراسيا»: بعيداً من أوروبا

والأرجح أن المستشار الرقمي الروسي صمَت عن التذكير بدور عسكر بلاده الذي تولى صنع «آسترا لينوكس»، بل سبق البلاد في الانفصال عن الإنترنت منذ خريف عام 2016، حين أعلن تشغيل شبكة معلوماتية عسكرية مغلقة.

وفي مسار أعمق من حالي كوبا وكوريا الشمالية، تنخرط الصين منذ سنوات في مسار الاستقلال عن العالم المترابط للإنترنت. في 6 آذار (مارس) الجاري، بات تطبيق «ويتشات» الصيني للمراسلات الفورية يُستخدم من قبل بليون صيني، مع الإشارة إلى أنه يُعتبر بديلاً مباشراً من «تويتر»، لكنه يضم وظائف متعددة كالألعاب الإلكترونية والدفع عبر الإنترنت. وغنيٌ عن التذكير بأن الصين تعتمد محرك البحث «بايدو» حصرياً، ما يجعله محرك بحث سيادياً، إضافة الى كونه خاضعاً لمراقبة أمنية تشمل مستخدميه جميعاً.

وفي السياسة، يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تماسك عالم الحداثة الغربي بطرق لا تحصى، ربما يكون أخطرها الحرب التجارية المتطايرة شرارتها فوق الأطلسي. وسبق العالم الافتراضي تلك الحرب أواخر عام 2015، عندما أبطلت أوروبا معاهدة «الملاذ الآمن» التي كانت تضمن تدفق البيانات بين ضفتي الأطلسي. وفي صيف 2016، تدارك الرئيس السابق باراك أوباما ذلك التفكك، وتوصل إلى اتفاقية «درع الخصوصية»، على رغم إشكاليات كثيرة تحيط بها.

وسدَّد الرئيس الشعبوي ترامب ضربة قاسية للإنترنت عندما أنهى «قانون حياد الإنترنت» (وهو أحد أبرز إنجازات أوباما)، ما زاد الهوة في معايير المحتوى المتنقل على الكوابل الضوئية للـ «نت» بين أوروبا وأميركا.

حتى لو استبدَلت أوروبا، بجناحها الاستراتيجي الأطلسي، آخر برياً قوامه أوراسيا (روسيا) والصين ومشروع «درب وحزام»، يبقى التفاوت الهائل في معايير التعامل مع الإنترنت، عاملاً على التباعد بين شقي العالم القديم!

استطراداً، هل المساهمة الأميركية في تفكك «برج بابل» الإنترنت، على علاقة بتصاعد التشرُّخ في الولايات المتحدة مع شكوك متنامية بأن تدخلاً إلكترونياً روسياً عبر الإنترنت والـ «سوشال ميديا»، ساهم في رسمه رئيساً؟