في يوم ربيعي من آذار

من أول تظاهرة في مدينة بانياس في 1/4/2011 من نهر آيسيل
حازم درويش |

في نشرة الأخبار للقناة الهولندية الأولى لمساء هذا اليوم بدأ آذار. طفلة سورية من الغوطة الشرقية، تركض بين الحطام من دون وجهة وتستنجد باحثة عن أمها وتصرخ بصوت مرتجف: «بدي أمي، وين أمي؟!». الصوت يحمل نفسه عميقاً إلى داخلي. وعلى رغم أني أقف في مطبخ في شقتي في هولندا، لكني أسمع صوت الطفلة كما لو أنها في غرفة المعيشة قربي.

لطالما حاولت، لأخفف من وقع الكوابيس الليلية ولأحمي بداياتي الجديدة هنا، أن أبعد نفسي عن أخبار هؤلاء الناس، ألم أهرب من هذه الحرب، إلى متى إذاً سأظلّ أنظر إلى الخلف؟ لكني هذا المساء أفشل في ذلك من جديد. صور هؤلاء الناس وأصواتهم باتت تفاجئني يومياً حتى في الميديا الهولندية.

أترك المطبخ وأدخل غرفة المعيشة وأطفئ التلفاز. وأنزل لأحمل دراجتي وأقودها إلى خارج المدينة حيث الغابة الإنكليزية المطلة على نهر آيسيل. بعيداً من كل الأصوات، بعيداً من مشاعر الحزن والعجز. نهر آيسيل في مدينتي كامبن وزفولا الهولنديتين قادني بهدوء في أوقات اللجوء الصعبة في السنتين الأخيرتين لأخفف عني حمل الحرب التي عشت بعضاً منها، ثم تركتها خلفي هناك، ولأتطلع إلى مستقبل ما لي في هذه البلاد الجديدة.

أصل إلى ضفة النهر وأنزل عن دراجتي لأقف هناك وأتأمل بهدوء مدى ماء النهر الذي يبدو بلا نهاية. صوت استنجاد الفتاة الباحثة عن أمها يصبح أخف كما لو أنها وجدَتْها. وأنا على ضفة الماء أستكين قليلاً.

الطقس اليوم هنا يبدو حقاً كطقس يوم ربيعي جميل من آذار. أتذكر بعضاً من طلابي الذين كنت أدرسهم في حلب قبل الحرب؛ ما أن يأتي آذار وأطلب منهم أن يكتبوا موضوع إنشاء عن الربيع، حتى تبدأ غالبيتهم مواضيعها بالجملة التقليدية إياها: «في يوم ربيعي جميل من آذار...»! ثم يمكنك أن تتخيل ما خطته أقلامهم بعد هذه الجملة؛ قصص وتفاصيل عن مروج خضراء وأزهار ملونة، عيد الأم ويوم المعلم والهدايا.

أولئك الطلاب الصغار امتلكوا صورة جميلة عن شهر آذار. أيضاً لربما امتلكها أقرانهم الذين قبل سبع سنوات كتبوا على حيطان مدرسة سورية بعيدة «يسقط النظام» وحلموا بربيع جميل آخر لهم ولآبائهم. لم يخطر لهم في بال أنه وبعد سبع سنوات، في آذار آخَر في 2018، سيبحث رفاقهم الصغار عن أهاليهم بين الحطام أو سيعانون الجوع والعطش. هذا إذا لم يدركهم اللجوء أو الموت قبل ذلك. أما زال آذار السوريين جميلاً إذاً؟

آذار الذي قضاه السوريون لعقود في مشاوير الغابات والأحراج المجاورة للأنهار، في الغوطة الشرقية كما في غيرها، والأطفال يلهون حولهم ويحلمون بأن أيامهم كلها أصبحت ربيعاً كما أيام آذار. هذا الشهر كان فرصة الكثير من الأطفال لينسوا بؤسهم، لكن الآن كل شيء تغير. أكثر الطلاب الصغار بلا مدارس ولم يعد لديهم ترف الاحتفال بعيدي الأم والمعلم ولا التفكير بالهدايا. هؤلاء الأطفال عاشوا سبع سنوات خسرت الحياة حولهم في هذا الشهر الكثير من ألوانها فيها. ألم يحن الوقت بعد لأن يتوقف القتل؟ لأن تنتهي هذه الحقبة السوداء؟ ليستطيع السوريون الذين ظلوا هناك وأطفالهم من عيش أيام ربيعية أحن من أيام آذار هذا العام؟ أليست سبع سنوات كافية؟ بعض السوريين البسطاء كانوا اعتقدوا أن نظام الأسد وجرائمه هي نوع من عقاب إلهي جماعي لهم لكثرة خطاياهم. لكن حتى في طوفان نوح الذي أغرق الله به الأرض غضباً من كثرة خطايا الناس أشرقت الشمس بعد سبعة أيام.

في زمن الثورة السورية الأول في 2011 أراد السوريون، كباراً وصغاراً، امتلاك ربيع حريتهم وتظاهروا بكل سلمية. في الكثير من المدن مشى السوريون للمطالبة بحريتهم والأزهار البيض والحمر في أيديهم. لكن لم يدر في خلدهم أن ثورتهم ستخلخل ميزان التفاهمات التي يعيش الشرق الأوسط على وقعها منذ عقود، وأن كل ما دفنوه طويلاً من أزمات مريرة بينهم منذ تشكل سورية في أوائل القرن العشرين على هذه الهيئة بيد أوروبية مستعجلة، وما شوهه النظام لأكثر من أربعين عاماً في نسيجهم الاجتماعي، سيظهر إلى السطح ليفاقم بؤسهم ويصيب مطلبهم بالحرية في مقتل في وجه نظام لا يأبه لا بسورية ولا بناسها ولا بدمائهم، بل فقط ببقائه. حينها راح السوريون يرمون ما تبقى في أيديهم من أزهار ذابلة على قبور القتلى أو على آلام المصابين.

على ضفاف نهر آيسيل أقف هنا الآن في سلام وأمان، أفكر في الطفلة التي كانت تبحث عن أمها قبل قليل وفي أطفال سوريين بعيدين كثر. هؤلاء الأطفال ليس بمقدورهم تعرف هذا السلام والأمان ولا عيشه. سبع سنوات وهم لربما ما زالوا يبحثون عن أيام ربيعية في آذار ليعيشوها وليكتبوا حولها.