أميركا وحدها القادرة على وقف المجزرة في سورية

نزار عبد القادر |
دونالد ترامب (أ ف ب)

يستمر النظام السوري المدعوم من المقاتلات الروسية منذ منتصف شهر شباط (فبراير) في ارتكاب مجزرة وحشية في الغوطة الشرقية، حيث قضى مع نهاية الشهر على ما يزيد على ألفين من السكان المدنيين المحاصرين داخلها منذ سنوات.

سعى مجلس الأمن خلال أيام من المناقشات والاتصالات لاتخاذ قرار للدعوة إلى وقف القتال في جميع أنحاء سوريا لمدة 30 يوماً، ولكن معارضة روسيا حالت دون ذلك. ظهر واضحاً منذ بداية عرض مسودة القرار بأن موسكو تعارض اتخاذ قرار قابل للتنفيذ (خلال مهلة 72 ساعة من إعلانه) وبأنها تريد تعديله بحذف هذه الفقرة بحيث يفتقد تاريخاً محدداً للالتزام به، وبما يتيح للنظام السوري بالتفلّت من إلزامية التنفيذ، وفق نص المشروع الأساسي للقرار.

لم تكن المناورة الروسية لتعطيل القرار والدفع إلى تعديله هي الأولى ولن تكون الأخيرة من أجل تعطيل كل القرارات الخاصة بالأزمة السورية، حيث دأبت موسكو على التهديد باستعمال حق النقض لمنع اتخاذ أي قرار لا يصب في مصلحة نظام بشار الأسد.

وبالفعل فقد اتخذ مجلس الأمن القرار 2401، واستمر النظام في خرقه منذ البرهة التي كان فيها مجلس الأمن يصوت عليه. كما أعلنت روسيا نيتها الاستمرار في دعم عمليات النظام في الغوطة وإدلب من خلال القول إن قرار وقف النار لا يشمل تنظيم «النصرة» والفصائل المتطرفة الأخرى، ونقلت التقارير عن شن الطائرات الروسية يوم الأربعاء في 28 شباط 46 غارة على الغوطة. بات من الواضح للجميع بأن فلاديمير بوتين قد حاول منذ بداية تدخله العسكري في سورية في أيلول (سبتمبر) عام 2015 أن يخدع العالم من خلال الادعاء بأن تدخله في الأزمة السورية هو بهدف القضاء على الإرهاب ومنع انتشاره، والحؤول دون تهديد أمن روسيا نفسها بعد عودة المقاتلين الشيشان (الذين انضموا للثورة السورية) إلى بلادهم. ومنذ الأسابيع الأولى للتدخل الروسي كان الهدف من العملية الجوية الواسعة حماية النظام السوري ومنع انهياره في مهلة أسبوعين من جهة. وللحفاظ على المصالح الروسية الحيوية في سوريا وفي شرقي البحر المتوسط من جهة ثانية. وهكذا فقد استهدفت عمليات القصف الروسي فصائل الجيش الحر وبقية فصائل الثورة المعتدلة بنسبة 90 في المائة من طلعاتها منذ بداية تدخلها وحتى اليوم.

ترنحت «هدنة الساعات الخمس» التي أعلنت موسكو عنها في ظل توافر مؤشرات على استمرار الخداع الروسي من أجل إفساح المجال أمام النظام لممارسة المزيد من القصف البري والجوي، لإقناع الفصائل المسلحة بالقبول باتفاق لإخلاء الغوطة من المدنيين والمقاتلين على غرار الاتفاق الذي جرى في حلب. لم ينجح الاتصال الهاتفي بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا مركل مع الرئيس بوتين في تغيير الموقف الروسي، ودفعه لممارسة ضغوط فعلية على حليفه بشار الأسد للالتزام بالهدنة، كما أن وزير الخارجية الفرنسي عاد من زيارته لموسكو واجتماعه بالوزير لافروف بخفّي حنين.

يؤشر الهجوم البري الذي بدأه النظام واستمرار القصف العنيف على الغوطة إلى أن النظام ومعه روسيا يريدان تكرار المقاربة العملانية التي اتبعاها في عمليات سابقة، والتي تنتهي بخروج السكان المدنيين ومتابعة المعركة مع الفصائل المسلحة لإبادتها أو إجبارها على الاستسلام دون قيد أو شرط.

يبدو أن الفصائل المعارضة الرئيسية التي تقاتل في الغوطة، وأبرزها جيش الإسلام وفيلق الرحمن، تدرك جيداً مضمون مناورة «الخداع» التي تتبعها كل من روسيا والنظام، مع ما يترتب عليها من «نتائج كارثية» على مستقبل الثورة ومستقبل الديومغرافيا السنية حول العاصمة، وهذا ما سيدفعها إلى خوض معركة الغوطة بضراوة، غير مبالية بحجم الخسائر والدمار الذي يمكن أن يتسبب به القصف الروسي الكثيف لمواقعهم. في هذا السياق تدرك فصائل المعارضة بأن السيطرة على الغوطة ستضعها تحت نفوذ إيران، والتي ستبذل قصارى جهودها العسكرية لتحقيق انتصار عسكري يؤدي إلى نزوح سكانها الأصليين، وجميعهم من السنّة، على أن يجري استبدالهم بحزام شيعي جديد حول دمشق كخطوة أساسية على ترسيخ وتعميق النفوذ الإيراني في سورية.

من المعروف بأن بوتين كان قد بدأ مناوراته لخداع المعارضة. السورية والرأي العام الدولي منذ 14 آذار(مارس) 2016، عندما أعلن انسحاب الجزء الأكبر من قواته الجوية من سورية. ولم تنطل مناوراته هذه على الأميركيين حيث عبر المسؤولون عن دهشتهم وعدم علمهم بمثل هذا الانسحاب، وذهبوا إلى اعتباره مناورة مكشوفة، هدف بوتين من خلالها الإيحاء بأنه يسعى إلى دعم مؤتمر جنيف للسلام، في الوقت الذي كان يسعى فيه جدياً بمساعدة تركيا وإيران إلى استبداله بمقررات التهدئة التي تصدر عن اجتماعات «أستانا»، في محاولة لضبط اتباع العمليات العسكرية بما يتوافق مع قدرات النظام وحلفائه على الأرض لاستعادة المدن والمواقع الحيوية من أيدي الفصائل المعارضة. بات واضحاً بأن روسيا وإيران والنظام وتركيا يسعون إلى استمرار المجزرة في الغوطة، والتي تخدم مخططاتهم ومصالحهم على المدى الطويل، فالنظام يسعى إلى حل عسكري شامل، في الوقت الذي تسعى فيه إيران إلى تعميق تواجدها ونفوذها وخصوصاً في العاصمة وريفها، بينما تسعى تركيا إلى تفكيك «الكانتون» الكردي المحاذي لحدودها، وهذا ما دفعها إلى رفض دعوات غربية لتعليق حملتها العسكرية على عفرين، معتبرة أن القرار الدولي 2401 لا يشملها، وذلك لأنها استمرار للحرب ضد الجماعات الإرهابية.

مما لا شك فيه أن النظام السوري، ومن خلال «حرب الإبادة» التي يخوضها ضد الغوطة، يتابع سياسة الإرهاب والعقوبة الجماعية ضد شعبة والتي كان قد مارسها في عامي 2013 و2014، حيث نجح في قتل وتهجير سكان المدن والأرياف، حيث زاد عدد اللاجئين إلى دور الجوار على خمسة ملايين، وهذا ما دفع إلى تدفق عشرات الآلاف منهم باتجاه أوروبا، ويبدو الآن بأنه يسعى من جديد إلى تهجير 400 ألف مواطن من سكان الغوطة، مع احتمال أن يكون نصيب لبنان نصف هذا العدد.

تدرك كل من روسيا وتركيا وإيران بان مساعيها لفرض حل إقليمي في سوريا من خلال محادثات «أستانا» ومؤتمر سوتشي قد باءت بالفشل، وبأنه لن يكون في مقدورها بعد الآن الاستمرار في لعبة «خداع» المعارضة السورية والمجتمع لدولي وذلك لأسباب أبرزها: أولاً، بسبب انكشاف مناوراتها (التي باتت ممجوجة) في مجلس الأمن لحماية النظام السوري، وخصوصاً في محاولات دحضها للاتهامات الموجهة إليه باستعمال السلاح الكيماوي ضد المدنيين، ثانياً، استمرارها في دعم النظام للتهرب من المشاركة في مفاوضات جنيف لتحقيق الحل السلمي المنشود. ثالثاً، اعتماد الولايات المتحدة لإستراتيجية جديدة في سوريا من خلال الإبقاء على تواجدها العسكري شرقي الفرات، وتحولها بالتالي إلى لاعب أساسي ومؤثر في تقرير مستقبل سوريا.

في النهاية لا يبدو بأن هناك أية بارقة أمل لوقف المجزرة الجارية في الغوطة، وأن البحث عن آليات لتطبيق القرار 2401 سيبقى عقيماً، ولن يؤدي إلى أية نتائج ملموسة على الأرض. أن الحل الوحيد المتبقي لوقف هذه الجريمة ضد الإنسانية يتمثل باتخاذ الإدارة الأميركية القرار الحاسم بتنفيذ هجمات مؤثرة ضد قوات النظام السوري، لمنعها من الاستمرار في ارتكاب جرائمها ضد المدنيين، وكل اقتراح بالمعالجة خارج إطار القوة العسكرية لن يؤدي إلى أية نتائج وسيكون مصير الغوطة كمصير حلب قبلها.

 

 

* باحث لبناني في الشؤون الاستراتيجية