واشنطن تصرّ على هدنة وتلوّح بالقوة وباريس تؤكد التنسيق للرد على «الكيماوي»

باريس، نيويورك – رندة تقي الدين، «الحياة» |
مسلحون تدعمهم أنقرة في بلدة جلامة على الحدود السورية - التركية (أ ف ب)

أظهرت جلسة لمجلس الأمن في شأن سورية أمس شبه إجماع على فشل وقف النار في الغوطة الشرقية، في وقت هددت الولايات المتحدة بالخيار العسكري ضد دمشق في حال استخدامها الأسلحة الكيماوية، ووزعت مشروع قرار ينص على «وقف فوري للنار في دمشق والغوطة الشرقية لمدة 30 يوماً»، كما اتهمت روسيا بأنها «شريك غير موثوق». في غضون ذلك، أعلنت دمشق العثور على «ورشة أسلحة كيماوية» في الغوطة، في وقت أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن أكثر من نصف مليون سوري قُتلوا منذ بدء الحرب قبل 7 سنوات.

وقالت السفيرة الأميركية نيكي هايلي خلال جلسة لمجلس الأمن حول تطبيق القرار 2401، إن الولايات المتحدة «مستعدة لو اضطررنا للتحرك» العسكري مجدداً، على غرار «الاستهداف الناجح للقاعدة العسكرية» الجوية السورية في مطار الشعيرات بعد قصف خان شيخون بالأسلحة الكيماوية. وأضافت أن روسيا صوتت لصالح القرار «لكنها واصلت القصف بنحو 20 غارة يومياً منذ تبنيه، وهي شريك لا يمكن الوثوق به بعدما أصبحت وسيلة في يد نظام (الرئيس بشار) الأسد، لا بل إيران». وقالت إن ما تشهده الغوطة الشرقية «ليس وقفاً لإطلاق النار بل مواصلة من نظام الأسد وروسيا وإيران الحرب على المدنيين».

وأرفقت هايلي تحذيرها بتوزيع مشروع قرار ينص على أن «يوقف كل الأطراف فوراً الأعمال القتالية لمدة 30 يوماً متصلة في كل منطقة الغوطة الشرقية ومدينة دمشق»، على أن «يسمحوا فور تبني القرار، للمساعدات الإنسانية بالوصول من دون معوقات الى الغوطة، بما فيها المواد الطبية والجراحية، والإجلاء الطبي منها». كما يشدد مشروع القرار على أن «أي إخلاء أو انتقال للمدنيين يجب أن يتم وفق موجبات القانون الدولي الإنساني ومبادئ الانتقال الطوعي للمدنيين نحو منطقة مناسبة يختارونها»، وأن على كل الأطراف «اتخاذ احترازات منظورة لتجنيب إلحاق أي أذى بالمدنيين الباقين في منازلهم». كما يطلب تقديم «اقتراحات حول كيفية تطبيق مراقبة وقف الأعمال القتالية وانتقال المدنيين من المناطق المحاصرة في الغوطة». ولفتت هايلي إلى أن مشروع القرار الأميركي الجديد صيغ بطريقة «لا تسمح بأي التفاف»، مضيفة: «آن الأوان للتحرك».

وينص القرار 2401، الذي وافقت عليه روسيا بعد مفاوضات صعبة، على وقف النار «من دون تأخير» واستثناء «المجموعات الإرهابية» من الهدنة، ما أدّى إلى تفسيرات متباينة من جانب موسكو ودمشق اللتين اعتبرتا أن وقف القتال لا ينطبق على المقاتلين في الغوطة باعتبارهم أعضاء في «جماعات إرهابية».

وردّ المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا على هايلي قائلاً إن «القرار 2401 لا يدعو إلى وقف فوري للنار»، مجدداً دعم بلاده مواصلة العملية العسكرية في الغوطة، ومؤكداً أنها لا تتعارض مع قرار مجلس الأمن. وقال إن موسكو «لن تسمح بأن تكون الغوطة مرتعاً للإرهابيين»، محملاً المجموعات المسلحة فيها مسؤولية خرق الهدنة و»استهداف دمشق بالقذائف التي أودت بنحو 100 ضحية»، ومنع المدنيين من المغادرة وقصف المعابر المخصصة للأغراض الإنسانية. ودعا الأعضاء المعنيين في مجلس الأمن الى «تحمل المسؤولية وممارسة الضغط الفعلي» على المجموعات المسلحة.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أبلغ المجلس أن أياً من بنود القرار 2401، لم يُطبق، بما في ذلك «وقف القصف والسماح بوصول المساعدات وإجلاء الحالات الطبية الملحة». وقال إن الأمم المتحدة انخرطت في جهود ديبلوماسية لعقد محادثات بين روسيا والمجموعات المقاتلة في الغوطة، وهو ما تم فعلاً مع «جيش الإسلام»، فيما لم تتمكن الجهود من جمع «فيلق الرحمن» بمسؤولين روس. وحض الأطراف جميعاً على التقيد بقرار مجلس الأمن، مؤكداً الاستعداد للتوسط بين الأفرقاء.

وقبل ساعات من عقد الجلسة، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما تقدمه روسيا والنظام في سورية من تنازلات بأنه «غير كاف»، مطالباً موسكو «بأن تحترم القرار احتراماً تاماً». ورداً على سؤال عن انتقادات سلفه فرنسوا هولاند الذي اعتبر في مقابلة مع صحيفة «لوموند»، أن البلدان الغربية لا تمارس ضغوطاً كافية على موسكو وأنقرة في الملف السوري، رفض ماكرون التعليق، واكتفى بالقول إن «فرنسا تتبع منذ أيار (مايو) الماضي (تاريخ انتخابه) سياسة ثابتة ومتماسكة، من دون تواطؤ، لكنها تسعى إلى أن تكون فاعلة، وبالتالي استئناف الحوار».

وأوضح أن علاقة فرنسا بروسيا حالياً هي «علاقة حوار وليست تواطؤ»، مشيراً الى أنه اتصل مرتين الأسبوع الماضي بالرئيس فلاديمير بوتين، ما أتاح تمديد فترة وقف النار بعض الشيء. ورأى أن الحوار والضغط على روسيا أتاحا توقيعها على قرار مجلس الأمن في شأن الهدنة وإدخال المساعدات الإنسانية. لكنه قال إنه ينبغي تحقيق المزيد من التقدم في تنفيذ هذا القرار لأن ما دخل من هذه المساعدات قليل. وختم قائلاً إن مقاطعة روسيا لم تعط أي نتائج.

وجدّد ماكرون تهديده بشنّ ضربات ضد أي موقع في سورية ثبُت استخدامه لشنّ هجمات كيماوية، وأدّى إلى مقتل مدنيين. وقال في ختام زيارته الهند أمس، إن القوات الفرنسية «لن تتدخل على الأرض» في سورية، ولكنّ «في اليوم الذي نحصل فيه، خصوصاً بالتنسيق مع شركائنا الأميركيين، على أدلة قاطعة على تجاوز الخط الأحمر، أي استخدام الأسلحة الكيماوية للقتل، سنقوم بما قام به الأميركيون أنفسهم قبل أشهر، سنُعد أنفسنا لشن ضربات موجّهة». وكان ماكرون وجه هذا التهديد سابقاً، ولكن ذلك لم يؤثر على الأحداث في سورية.

على صلة، أعلنت القوات النظامية أمس العثور على ما وصفته بـ»ورشة عمل للمسلحين» في الغوطة الشرقية تُستخدم في إنتاج أسلحة كيماوية. وقال العقيد في الجيش السوري فراس إبراهيم إن قواته عثرت، بعد دخولها بلدة أفتريس، على ورشة لتصنيع ذخائر كيماوية، مرجحاً أن تكون «صُنعت في إطار التحضير لاستفزاز بهدف اتهام القوات الحكومية باستخدام الأسلحة الكيماوية».

وفي ظلّ التطورات، أعلن «المرصد» أن أكثر من نصف مليون سورية قُتل منذ اندلاع الحرب في سورية قبل أكثر من سبعة أعوام. ولفت في تقرير أمس إلى أنه وثّق هوية أكثر من 350 ألفاً من أصل حوالى 511 ألف قُتلوا. وأضاف أن 85 في المئة تقريباً من الضحايا مدنيون قتلتهم القوات النظامية السورية وحلفاؤها.