هل انتصرت البكتيريا؟ سؤال مفتوح في ظل «مقاومة» متّصلة

القاهرة – علي عطا |

قبل أيام قليلة، تناقلت وسائل إعلام عربية كثيرة، ومن دون تحوّط، خبر «ظهور» وباء جديد و «مجهول»، لكنه يهدد بالفتك بمئات آلاف البشر. الخبر برمته لم يكن سوى سوء فهم لتقرير نشرته «منظمة الصحة العالمية»، حذرت فيه من الاستخفاف بالجهوزية لمواجهة الأوبئة، مشيرة إلى أنه لو ظهر وباء ما لم يعرفه البشر من قبل (لذا سمته «المرض المجهول» أو «المرض إكس»)، فلسوف ينتشر بصورة سريعة، ويحدث أعداداً من الضحايا تفوق ما أحدثته أوبئة من قبل كانت مجهولة قبل ظهورها. ومن الأمثلة على ذلك، أوبئة «سارس» و «انفلونزا الطيور» و «فيروس إيبولا» وغيرها. وعددت الأسباب التي تساعد على انتشار الأوبئة، مركزة على الاختلال في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، خصوصاً في ظل تصاعد اضطراب المناخ. (أنظر «الحياة» في 13 آذار (مارس) 2018).

ويذكر التقرير الذي نشر ذعراً كبيراً، بأن نظم الصحة العالمية تعاني مشاكل كبيرة في تعاملها مع الأمراض التي تحدِثها الفيروسات والبكتيريا والطفيليات وغيرها. ويأتي في مقدم الأشياء التي باتت تقلق خبراء الصحة عالمياً، ظاهرة مقاومة البكتيريا للأدوية المضادة لها، وهي تعرف باسم «آنتي بيوتيك» Antibiotics، وترجمتها «مُضادات الحيوية». (أنظر «الحياة» في 6 شباط (فبراير) 2018).

وفي إعلان تلفزيوني يتكرّر بثه على مدار الساعة على شاشات التلفزة المصرية، تظهر المذيعة الشهيرة نجوى إبراهيم ومعها دمية الطفل اسمه «بُقلظ» الذي يبرهن لها على حرص والدته على نظافته الشخصية مشيراً إلى إنها تطلب منه غسل يديه بصابونة تنبعث من رغوتها رائحة الفل. وترد «ماما نجوى» عليه مشيرة إلى عدم كفاية ذلك الإجراء، وتلفت نظره إلى ضرورة استخدام نوع محدد من الصابون يتميز بكونه أشبه بمضاد حيوي يقضي على البكتيريا والجراثيم، فتتحقق الوقاية من أمراض شتى. وتجدر الإشارة إلى أن المخضرمة نجوى إبراهيم اعتادت أن تقدم برنامجاً تلفزيونياً نال شهرة مصرية وعربية واسعة قبل بضع عقود، وكان شريكها فيه دمية/ طفل باسم «بقلظ».

وتكمن أهمية الإعلان في أنه يحفز الجمهور مصرياً وعربياً، على الاهتمام بمحتوى في التوعية الصحية يتعلق بمسألة مقاومة الميكروبات. ويساعد الوعي على تدعيم الوقاية من كثير من الأمراض السارية. والحقيقة أن العمل على مقاوَمة البكتيريا التي تقاوِم مضاداتها، أشبه بحرب مديدة بفصول متعددة. وبدأت إنجازاتها مع ايغنز سيملفايس، الرائد المبكر لممارسات التطهير من الجراثيم (توفيّ في العام 1865).

وفي العام 1945، حذّر ألكسندر فليمنغ من ظاهرة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية. ويشتهر عن فليمنغ اكتشافه في 1927 الذي لعبت الصدفة دوراً فيه، دواء «البنسلين» وهو مضاد حيوي، استُخدِم على نطاق واسع في علاج الأمراض التي تسببها البكتيريا. وبعد البنسلين، تكاثرت المضادات الحيوية وتنوّعت أصنافها، لكنها لم تفلح في إزالة الخطر الذي تمثله البكتيريا للبشر.

واستطراداً، ما زالت النظافة الصحية السليمة للأيدي قاصرة غالباً. ويجري التداول على نطاق واسع بالمضادات الحيوية، من دون أن يترافق ذلك مع وعي كافٍ، سواء لدى الجمهور أو العاملين في الرعاية الصحية، لقواعد استخدام المضادات الحيوية. وربما كثير منهم لا يدرك أن البكتيريا تحدث في تركيبتها طفرات متنوعة، وأن استخدام الـ «آنتي بيوتيك» بطرق غير دقيقية، يؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى تطور نسخ من البكتيريا تقاوِم تلك الأدوية. ويلاحظ أنه في إطار «المبادرة العالمية بشأن مقاومة مضادات الميكروبات»، يقدم مكتب «منظمة الصحة العالمية» في مصر، دعماً للحكومة في صياغة خطة عمل وطنية لمواجهة ظاهرة مقاومة البكتيريا للأدوية المضادة لها. وشكّلت وزارة الصحة والسكان لجنة تنسيق معنية بشؤون مقاومة مضادات الميكروبات، ضمت ممثلين لإدارات مختلفة، خصوصاً تلك التي تعمل في مجالات مكافحة العدوى، وترصد الأمراض، والإدارة المركزية لشؤون الصيدلة، والإدارة المركزية للمعامل، وقطاع صحة البيئة، والتدريب والبحوث، والمركز الإعلامي، وقطاع الرعاية العلاجية وغيرها.

ويمكن القول إن المضادات الحيوية والأدوية المضادة للطفيليات أو الفيروسات، هي في طريقها إلى أن تفقد فاعليتها، ويوجد في الوقت نفسه انخفاض في الاستثمارات الموظّفة في مجال تطوير مضادات جديدة للميكروبات. كما يُلاحظ نقص في البحوث الجديدة حول وسائل جديدة في تشخيص الأمراض التي تسببها الميكروبات المقاومِة للأدوية، واللقاحات اللازمة للوقاية من الأوبئة ومكافحتها. وإذا استمر ذلك الاتجاه، ربما تستنفد ترسانة الأدوات التي تُستخدم لمكافحة الميكروبات في وقت قريب، أقله وفق بيانات «منظمة الصحة...» ومكتبها في مصر.

وأخيراً، ظهر كتاب يتصل بذلك الموضوع عنوانه «هل انتصرت البكتيريا؟». وصدرت ترجمة له بالعربية عن «المركز القومي المصري للترجمة» على يد الزميل أحمد زكي أحمد. وفي الكتاب، يذهب عالم البكتيريا هيو بننغتون، إلى القول إن مضادات الميكروبات الحديثة تجد كل الترحيب. وفي المقابل، فإنها تكلف أموالاً كثيرة حتى تصبح جاهزة للاستخدام في أنحاء العالم، إضافة إلى أنه أمر يستغرق زمناً طويلاً. ويشير إلى أن الخبرة الطبية تفيد بأن سوء استخدامها يبدأ بأسرع حتى من انطلاقها وانتشارها!

ويضيف أن منع استخدام تلك الأدوية في بلدان تغيب عنها القوانين التنظيمية الملائمة، هو أمر أكثر صعوبة حتى من اكتشاف تلك الأدوية بحد ذاتها، ما يساهم في ظاهرة مقاومة البكتيريا. ومن حيث الجوهر، يشكّل تأخير ظهور تلك المقاومة مشكلة أنثروبولوجية، أكثر من كونها علمية، وهو أمر مهم في تحديد التكتيكات والاستراتيجيات المضادة للميكروبات.

وفي مثل ملفت، تعاملت بلدان أميركا الشمالية مع مرضي الدفتريا والحصبة بطرق أكثر سرعة وكفاءة مما كان في المملكة المتحدة، لأن الجمهور والعاملين الصحيين في الولايات المتحدة كانوا أكثر تحمساً للقاحات وبرامجها.

وبمعايير الأرواح التي جرى إنقاذها، تكون مضادات الحيوية هي الابتكار الأكثر أهمية في الأزمنة الحديثة، في الحرب ضد البكتيريا. في المقابل، تقدّم الصناعة الكيماوية عملية مدهشة في ذلك الخصوص، تسمى «عملية هابر- بوش»، وهي تسمية لعملية يحدث فيها تركيب الأمونيا اصطناعياً من غازي الهيدروجين والنيتروجين في الغلاف الجوي. وتحدث تلك العملية في سياق إنتاج الأسمدة النيتروجينية التركيبيّة، وهي من اللوازم الأساسية للزراعة كي تزود منتجاتها بالنتروجين القابل للهـضم، وهو يعمل على حماية أجساد البشر من الآثار المضرة للعدوى بالميكروبات. وفي الطبيعة، يعمل البرق على تثبيت النتروجين، لكن بنسب ضئيلة تكاد ألا تكون محسوسة.

وتالياً، تعتبر «هابر- بوش» هي العملية الطبيعية الوحيدة التي تحول النيتروجين الجوي إلى شكل مفيد للبشر. وكذلك تعمل بعض أنواع البكتيريا المفيدة على تثبيت النتروجين في بعض البقوليات الزراعية كالبرسيم. وبقول آخر، تشبه عملية «هابر - بوش» ما يحدث في البقوليات، لكن على نطاق أوسع، ما يعني استفادة الإنسان أيضاً مما يحدث في الطبيعة، عبر محاكاته لها.